الفانتازيا في الأدب .. بقلم ريما الحكيم

الفانتازيا في الأدب

 

الفانتازيا fantasy/fantasia في الأدب هي الأثر الأدبي الذي يتحرر من قيود المنطق والشكل والإخبار، ويعتمد اعتماداً كلياً على إطلاق سراح الخيال. ويطلق هذا المصطلح على جنس أدبي قصصي تقع أحداثه في عالم متخيل، يخضع لقوانين فيزيائية تختلف عن العالم الذي نعيش فيه، ويتناول شخوصاً غير واقعية وخيالية محضة وغرائبية غالباً، أو يصور عالماً يخضع لقوانين فيزيائية لم تُكتشف بعد، أو ميتافيزيقية تتناقض والحاضرَ والتجربة الواقعية، كما في أعمال الخيال العلمي science fiction والتخيل الطوباوي utopian fiction. إلا أن بعض النقاد يميزون بين الخيال العلمي والخيال الطوباوي والفانتازيا من حيث إن الفانتازيا تصور عالماً لا يمكن أن يكون، فإذا كان الخيال العلمي جنساً أدبياً يتناول ما يمكن أن يحدث في المستقبل، والخيال الطوباوي يتناول ما كان من شأنه أن يحدث لو عاد بنا التاريخ وتجنبنا أخطاءنا، فإن الفانتازيا تتناول ما لم يحدث ولن يحدث. وينسب بعض الدارسين كل ما من شأنه أن يستخدم المخيلة، حتى الخيال العالمي، إلى الفانتازيا، أو «الخيال التأملي» speculative fiction. 
تتضمن الفانتازيا في مفهومها الواسع أعمالاً أدبية كثيرة تبدأ من الأساطير والملاحم القديمة والميثولوجيا وتمتد لتشمل أعمالاً حديثة. ومن النقاد مَن يرى أن الفانتازيا جنس أدبي حديث مستقل تطور في النصف الثاني من القرن العشرين وحقق انتشاراً واسعاً في الأدب والسينما، ويتقاطع وأجناساً أدبيةً أخرى، مثل الملحمة والميثولوجيا والخيال العلمي وكتابات الرعب horror fiction، لكنه مستقل عنها. 
تعود تشعبات كثيرة للفانتازيا – من حيث إنها جنس أدبي – إلى عصر الميثولوجيا السومرية، والمصرية القديمة. ولعل أقدم الأعمال التي تدخل في عالم الفانتازيا «ملحمة غلغامش» التي ترجع إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد، وتليها الملحمة البابلية «إنوما إيليش» أي «عندما تحلق عالياً» Enuma Elish التي تعود إلى القرن الثامن عشر قبل الميلاد، واكتُشفت في مدينة نينوى في العراق. أما في العصور الكلاسيكية فتأتي الميثولوجيا الإغريقية والرومانية والإتروسكية والجرمانية في إطار عالم الفانتازيا. وتزخر أعمال هوميروس[ر] بقصص وشخصيات خيالية، فقد كان الإغريق يؤمنون بعنصر الفانتازيا من دون كبير اهتمام بواقعية الأحداث ومعقوليتها، وكأنهم يدخلون هذا العالم الوهمي بإرادتهم الكاملة (suspension of disbelief)، كما يفعل مشاهدو المسرح في أثناء العرض المسرحي. ويبقى مدى انتماء الأدب الكلاسيكي كأعمال هوميروس وفرجيليوس[ر] ولقيانس السميساطي[ر] Lucian of Samosata (نسبة إلى سميساط على الفرات الأعلى) إلى الفانتازيا – من حيث إنها جنس أدبي بمفهومها الحديث – مثار جدل لدى النقاد، مع أن هذه الأعمال – إضافة إلى الحكايات الشرقية مثل «ألف ليلة وليلة» وأعمال من نوع الساغا Saga في الآداب الجرمانية – قد شكلت مصدر إلهام لكتاب الفانتازيا الحديثين.
أما في العصور الوسطى وعصر النهضة فقد ظهر عنصر الفانتازيا في أسطورة «موت الملك آرثر»Morte D’Arthur عام (1471) لتوماس مالوري[ر] Thomas Malory، وحكايات الفولكلور الشعبي، وحكايات الجن. وتعد «رسالة الغفران» للمعري[ر] و«الكوميديا الإلهية» لدانتي[ر] (1321) من الأعمال الأولى التي دخلت عالم الفانتازيا، وكانت من أهم مصادر الإلهام للكتَّاب لاحقاً. فقد استلهم سبنسر[ر] Spenser «ملكة الجن» The Faerie Queene، وأبدع شكسبير[ر] في مسرحيتيه «حلم ليلة منتصف الصيف» و«العاصفة» عالماً متخيلاً من الجن والسحر يتداخل وعالم البشر على نحوٍ لم يسبق له مثيل.

ساحر أوز العظيم

تعد روايات سيرانو دي برجراكCyrano de Bergerac ما بين (1619-1655) «التاريخ المضحك لدول وامبراطوريات القمر»Histoire comique des ةtats et empires de la Lune عام (1657) و«دول امبراطوريات الشمس»ةtats Empires du Soleil عام (1962) الطوباوية، و«رحلات غوليفر» Gulliver’s Travels عام (1726) التي استخدم فيها سويفت[ر] Swift الفانتازيا بهدف الهجاء والنقد الاجتماعي، ومؤلفات رابليه[ر] Rabelais في هذا المجال، من أوائل نماذج الفانتازيا الكوميدية والهجائية بصيغتها ومفهومها الحديثين، وكان لها كبير الأثر في الجنس الأدبي الذي أصبح يسمى فانتازيا. وينطبق الأمر نفسه على ما تلا من أعمال، مثل فانتازيا «أليس في بلاد العجائب» Alice in Wonderland عام (1865) للكاتب لويس كارول[ر] Lewis Carroll، ومؤلفات جون كندريك بانغز John Kendrick Bangs، في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، التي صور فيها عالم الأموات والجنة والنار مستوحياً ممن سبقه من الكتَّاب الذين تناولوا هذه العوالم مثل دانتي، وأصبح مدرسة أدبية وسّمِّيت باسمه أي «الفانتازيا البانغزية»، وفانتازيا «دراكولا»Dracula عام (1897) للكاتب بـرام ستوكر Bram Stoker التي قُدمت مـراراً في السينما، إضافة إلى «سـاحـر أوز العظيم»The Wonderful Wizard of Oz عـام (1900) للكاتب لايمان بوم L.F.Baum، والروايات الفانتازية غير الطوباوية dystopian التي تنتقد المجتمع تحت غطاء عوالم متخيلة مثل «1984» لجورج أورويل G.Orwell، و«عالم طريف جديد» Brave New World لألدوس هكسلي Aldous Huxley عام (1932).
بدأت الفانتازيا تتطور جنساً أدبياً مستقلاً له أهميته في النصف الثاني من القرن العشرين، إذ لم يعد الكتَّاب يدخلون عالم الفانتازيا بحذر ويمزجونه مع عوالم واقعية بهدف الإبقاء على شيء من منطقية الأحداث، إنما بدؤوا يتبعون خطا الكاتب وليم موريسWilliam Morris ما بين (1832-1896) الذي أبدع في أعماله عوالم متخيلة بحتة من دون أي أثر للعالم الواقعي. وأصبح الهدف من الفانتازيا التحرر من ضوابط كل ما هو مألوف وممكن ومعقول. ولعل تولكين[ر] J.R.R.Tolkien من أهم الكتَّاب الذين كان لهم دور فعّال في تطور هذا الجنس الأدبي بثلاثيته «سيد الخواتم» The Lord of the Rings ما بين (1954- 1955)، التي أُخرجت للسينما وجذبت ملايين القراء والمشاهدين في العالم، إذ صوَّرت عالماً متخيلاً ساحراً مقتبساً من الحكايات الشعبية والأساطير الجرمانية يزخر بالجن والعفاريت والمخلوقات الغريبة ابتدعها تولكين ولكن بقالب منسجم وبنية متماسكة يصبح فيها عنصر الفانتازيا الجوهر والأساس وليس الاستثناء. وأسهم كلايف لويس C.S.Lewis المنتمي إلى ذات الحلقة التي انتمى إليها تولكين في المجال ذاته.


لص بغداد

تشعبت الفانتازيا في أواخر القرن العشرين إلى فروع كثيرة أصبح من الصعب معها تحديد انتمائها ومصدرها، ولم تعد الأعمال التي تستخدم عنصر المخيلة تصنف في مجموعة واحدة، وتداخلت مع عالم الفن والإنتاج السينمائي. وظهرت تسميات جديدة مثل، الفانتازيا الكوميدية، والتاريخية، والسوداء، والرومنسية، وفانتازيا الأرض الفانية dying earth fantasy، والأسطورية mythic fantasy، والمعاصرة الموجهة لليافعين، مثل قصص «هاري بوتر» Harry Potter للكاتبة جو آن رولنغ Joanne K.Rowling.
ولعل الشعبية الكبيرة التي تتمتع بها الفانتازيا اليوم تعود إلى ملاءمتها للإنتاج السينمائي المليء بإمكانات تقانية مذهلة للبصر ومؤثرات خاصة لا حدود لها. ومع انعدام الحدود بينها وبين الخيال العلمي يتداخل الجنسان، فلا يمكن القول إن روايات جول فيرن[ر] Jules Verne وهربرت جورج ويلز[ر] H.G.Wells وأورويل وهكسلي وآرثر كلارك A.C.Clarke وإسحق أصيموڤ I.Asimov وراي برادبري R.Bradbury تنتمي إلى هذا الجنس دون ذاك، فهي تضم مكوناتهما. وبسبب تنامي الحاجة إلى الهروب من الواقع المؤلم Escapism في القرن العشرين، الذي شهد أكبر الحروب المدمرة والتغيرات الحاسمة في تاريخ البشرية، وما يزال العالم يشهد حتى الوقت الحاضر الحرب والفقر والمجاعة والمرض، وبسبب الحاجة إلى السيطرة على تلك الحشود الهائلة من البشر عن طريق وسائل الإعلام، كما هي الحال في المجتمعات الكليّانية في «1984» لأورويل، فقد ظهرت بداية المسلسلات القلمية Comic strips في الصحافة اليومية وشخصيات مثل «الرجل الطائر أو سوبرمان» Superman و«الرجل الوطواط» Batman وفلاش غوردون Flash Gordon، وأفلام والت ديزني للرسوم المتحركة مثل «فانتازيا» Fantasia عام (1940)، وفيلم فريتز لانغ F.Lang «متروبوليس»Metropolis عام (1927)، و«لص بغداد» The Thief of Baghdad عام (1940)، و«الكوكب المحرم»Forbidden Planet عام (1956) المأخوذ عن «العاصفة» لشكسبير، و«السفر إلى النجوم» Star Trek، و«حرب النجوم» Star War، إضافة إلى أحـدث ما أُنتج في هـذا اللون «دليل المسافر المتطفل للمجرة» The Hitchhiker’s Guide to the Galaxy و«مدينة الخطيئة»Sin City عام (2005). وتستمر هذه النزعة على نحو أوسع وأكفأ بفضل تقانة المعلومات IT ؛ وتوظف سياسياً لتحويل أنظار العالم وللتعمية عما يحدث في الواقع.

بقلم \ ريما الحكيم

  • شارك برأيك