الفانتازيا.. تعاريف ونقاط هامة بشأنها

الفانتازيا .. تعاريف و نقاط هامة بشأنها

كل ما نعرفه عن الفانتازيا انها الواقع يصور باسلوب خيالي
لكن ما هي الفانتازية كفن :

الفانتازيا هي فن أدبي روائي ضخم ,
كلنا نعرف الفن الواقعي و الرومانسي , حيث منتشران للغاية لدينا ,
نعرف أن الرواية من بدايتها لنهايتها تتحدث عن المشاكل اليومية الحاضرة
أو الماضية , متباينة بين كمية عرض كل مشكلة عن الأخرى , و بالطبع تخلف عن طريقة العرض لكل منها ..

 


فماذا عن الفانتازيا ؟!

الفانتازيا تُعتبر رواية واقعية بصورة رمزية , رمزيتها هنا هو كونها فانتازية , و هذا سبب اللبس الحادث لمن يبدؤون الكتابة تحت هذا النمط ..
إذا أردنا النظر إلى الفانتازيا نظرة روائية أدبية بحتة , سنجدها تتكون من مكونات أي رواية عادية , حبكة , صراع , شخصيات , أحداث , قيم و مبادئ نرغب بعرضها , مشاكل نرغب بمعالجتها .. هذا بناء أي رواية ..
لكن لكل رواية الطابع الذي يميزها , ففي وجود الطابع الرومانسي كطابع مميز للمشاكل التي يتم معالجتها , و وجود البطل و البطلة كرمزين كبيرين بالرواية دوما , هنا نتحدث عن الرومانسية الروائية , ولو تحدثنا عن وجود مشكلة البطالة و الجنس و تأخر الزواج و القتل و السرقة و السياسة و الاغتصاب و .. إلخ , فنحن نتحدث عن رزمة مشاكل , إذا نحن في رواية واقعية ..
من هنا نرى أن ما يميز الواقعية و الرومانسية هي طابع المشاكل التي تحتويه .. لكن ماذا عن الفانتازيا ؟!
قلت في عدة أماكن أن الفانتازيا من أصعب الألوان الأدبية الروائية , وقوبل كلامي بالسخرية حينها , لكن هنا سأوضح بشكل أدبي مظاهر هذه الصعوبة ..
لو فكرنا في الفانتازيا روائيا , و اخترنا أقل الأنواع منها – وهو الأمر الذي سأتحدث عنه حالا – و هو النوع الخليط بين الواقعية و الفانتازية قالبا , سنجد أننا نتحدث عن كافة عناصر أي رواية عادية , لكن نتوقف عند نقطتين هنا :
-المشاكل و القضايا التي تعالجها الرواية ..
-القالب العام للرواية ..
بالنسبة للأولى , فهي موجودة في كل رواية , لكن وجود مشكلة أو نوعية مشاكل يطغى على الرواية يضفي لها طابع تلك المشكلة , لكن في الفانتازيا نجد شيئا فريدا .. كل أنواع المشاكل تكون فيها .. كيف ؟!
فلنتحدث عن الرومانسية , بإمكان كاتب الفانتازيا وضع متحابين في روايته , يعالج قضيتهما عن طريق فانتازاي بحت , هل نسينا حكاياتنا القديمة عن الفقير المغامر الذي يريد تخليص ابنة الملك من لعنتها فيسافر يجوب الأرض محاربا وحوش , مارا بأهوال , مخاطرا بحياته , كي ينتهي الأمر له بإنقاذه للأميرة و يتزوجا و تكون قصة أسطورية ..
أليست هذه رومانسية ؟! وما أروعها , لكن أليست فانتازية ؟ نعم , هي فانتازية , لكن تحتوي على الرومانسية عنصرا فيها , رومانسية لو عزلناها عن الرواية لصارت رواية في حد ذاتها ..

ماذا عن الواقعية ؟!

الواقعية في الفانتازية نجدها في عدة صور , فمثلا الطابع السياسي الموجود داخل الرواية الفانتازية , و الذي سأوضحه لاحقا في مقالات قادمة معنية بشيء هام في الفانتازيا اسمه : بناء العوالم الفانتازية , لكن باختصار نحن نبني عالما جديدا في الفانتازيا ليكون قالبا روائيا , هذا العالم نضع نحن فيه كل كبيرة و صغيرة , و من هذا المنطلق نحن نضع النظام السياسي , يمكننا وضع نظام حكومة رشيدة و أخرى فاسدة كي نوضح الفرق عن طريق التضاد , أو كعادة الفانتازيا الحديثة في الآونة الأخيرة أن نضع الحكومات فاسدة و بعض من الميليشيات المتناثرة هنا و هناك و التي يقوم البطل بتوحيدها موضحين مشاكل التنازع بين الحلفاء الذين يغمضون أعينهم عن الخطر المحدق حولهم , الأمر الذي يشبه واقعنا العربي مثلا , و هكذا ..
أما عن المشاكل الاجتماعية , فهي تعتمد على الكاتب , فأنا مثلا كأديب فانتازي لست قوي في الأمور الاجتماعية , لهذا رواياتي ضعيفة تقريبا في هذا الشق , لكن في حالة أدباء آخرين كجي كي رولنج مؤلفة هاري بوتر , نجد أن الرواية برمتها رواية اجتماعية بثوب فانتازي !
هناك نقطة أخرى عن الواقعية , النقطة التي كانت سببا في تسميتي لما أكتبه : خيالية واقعية .. وهي نقطة الواقعية في الأحداث ..
من المعهود أن الفانتازيا = خيال في خيال , و هذا يعني عدم وجود واقعية فيها .. هذا خطأ بكل تأكيد ..
الواقعية موجودة في الفانتازيا , الفانتازيا لا تعني الخيال الجامح فقط , الجامح في تحديد و تكوين القالب الروائي العام للرواية , لكن ليس المحتوى داخلها , كل شيء داخل الرواية يعتمد على الواقعية في الأحداث و المنطق أحيانا ..
و لهذا فوصف الرواية بواقعيتها جاء نتيجة الاعتقاد السائد داخلنا أنها خيالية و يجب أن تعارض الواقع , بعكس ما هو حقيقي على أرض الرواية الفانتازية , و بالتالي فهذا التعبير تعبير عارٍ تماما من الصحة ..
حسنا , ماذا عن القالب العام للرواية الفانتازية ؟!
هنا مكمن الصعوبة مقارنة بالواقعية و الرومانسية , فلو اعتبرنا جدلا أن كل نوع منهما يعاني من نفس الصعوبة في المعالجة , فسنجد أن كل نوع لا يحتوي على هذه المعضلة الكبرى .. القالب الفانتازي ..

ماذا نعني بالقالب الفانتازي ؟!

هو الشيء المميز للفانتازيا , هي الفانتازيا ذاتها , فلو قمنا بإبعاد العناصر المشتركة بين الروايات عامة من شخوص و أحداث و حبكة و صراع و قيم و أفكار , سنجد أن ما يتبقى لنا هو ذاك القالب العام للفانتازيا , و سنجد كذلك أنه خيالي تماما .. وهنا موطن صعوبته الأولى .. صناعته !
صناعة القالب الفانتازي يقع دوما تبعا للفانتازيا الحديثة تحت عنوان بناء العوالم الفانتازية , و هو مصطلح وُجد في عالم الفانتازيا بعد مجيء تولكين و ما فعله من ثورة فانتازية بأساطيره أمير الخواتم و ما مثلها من كتاباته العظيمة , و نظرا لظهور مثل هذا المصطلح ظهر مصطلح آخر يشمل كل ما لا يقع تحت عباءة العوالم , و لكل مشتق أسبابه و فوائده , كذلك عيوبه ..
الأمر إن تحدثنا عنه ضخم , و لا يمكنني تجميعه في مقال واحد فقط , لكن سأحاول توضيح جزء مهم للغاية .. الكتابة فن نابع من داخل الأديب نفسه , و الرواية هي عمل أدبي شاق , كل أديب يحاول مزج ما بداخله ليخرج لنا بعمله الأدبي الروائي , و هذا ما يعني أن كل عمل روائي يكون عاكسا لمقدرة الأديب الأدبية ..

ماذا أريد أن أقول هنا ؟!

أريد أن أقول أن عملية بناء العوالم الفانتازية أمر شاق للغاية , و قرار يمكن أن يكون مصيري بشأن الرواية بأسرها , في الوقت نفسه هو يعتمد على الكاتب من حيث مقدرته الأدبية , فمن يفهم خطوة بناء العوالم جيدا سيعرف مدى ضخامتها و عمقها و تشعبها و تعقدها , الأمر الذي يجعلنا نشعر بمدى الصعوبة للتحكم بها عقليا و فكريا , و بالأكثر صعوبة خياليا .. فالكاتب الضعيف خياليا هنا لن يقدر على الكتابة باستخدام طريقة العوالم .. و بالتالي سيستخدم طريقة الكتابة بدون العوالم ..
لكن هل هذا منطقي ؟! بناء العوالم عمل إبداعي قوي , يضيف بعدا عميقا و قوة لا يستهان بها للرواية , و ربما هو الدافع الأكبر لدى من يستخدمونها محاولين السير وراء خطوات العظيم تولكين , و لهذا السبب تم إيجاد نوع جديد من الفانتازيا , فانتازيا المزيج ما بين الواقع و بناء العوالم .. أو بناء العوالم المختلطة .. هكذا أسميها ..
كي نفهم ما أقوله ولا يكون كالطلاسم أو أشعر أنني انحرفت كثيرا بكم , بناء العوالم مرحلة تعني بناء عالم فانتازي تماما لا يمت للواقع بصلة تدور فيه أحداث الرواية , كمثال جدي على هذا ثلاثية تولكين لأمير الخواتم , و من قرأ روايتي رانمارو مثلا , حيث نجد أن هناك عالم تدور فيه أحداث الرواية , و هذا العالم لا يمت لواقعنا بصلة , ربما يكون أرضا في عالم جديد , في كوكب مختلف , المهم أنه لا يتم ذكر كوكب الأرض .. ولا العالم الواقعي .. وهنا تكمن الصعوبة الكبرى في صنع عالم متكامل تقريبا دون وجود شيء يُسمى التضارب الداخلي , وهو أكبر مشكلة يواجهها صانع العوالم الفانتازية نظرا لضخامة ما يقوم به ..
بالطبع أمر كهذا صعب لمن لا يقدرون على الخيال الجامح , أو العقلية التي تتسع لأمور كثيرة و متشابكة و متعددة , أو أصحاب الصبر الطويل و البال الهادئ معظم الوقت , لهذا نجد مخرجا أوجده كتاب الفانتازيا الذين يعرفون بعجزهم جزاء هذا الأمر .. و أكبر مثال على هؤلاء .. جي كي رولنج , الشهيرة بسلسلتها هاري بوتر ..
من يقرأ هاري بوتر سيعرف أنه يقرأ لعالم واقعي داخله عالم من السحر , و هذا ما يعني عالمان , لكن السحري منهما مبني على الواقعي في كل شيء تقريبا , فقط مجرد أمور بسيطة لتوضيح الخلافات بينهما و توضيح طرق الحياة فقط .. لكن بصفة عامة العالم السحري مبني على الواقعي .. ومن هنا جاءت فكرة العوالم المختلطة ..
حديثا أحاول ابتكار طريقة أكثر تعقيدا من هذا كله , و هذا عن طريق مزج عدة عوالم سويا , عالمنا الواقعي , عالم خيالي اول , ثم عالم خيالي ثاني , و هذا في سلسلتي رانمارو لكن لا وقت للحديث عن هذا الآن ..

لماذا تحدثت عن هذا كله ؟!

تحدثت عن هذا توضيحا للجزء الثاني من الاستفسار الخاص بالأستاذ عبدالرحمن أحمد الذيب :
-هي الرواية التي يختلط فيها الواقع بالحلم وقد يكون من أفضل الأمثلة على ذلك هو ( أليس في بلاد العجائب )

-فبعد كل الأشياء الفانتازية التي مرت بها ( أليس ) تبقى هذه القصة واقعية بعد أن تصحو أليس من نومها

-فالقصة الواقعية الساحرة هي كبيت بنيت جدرانه من الواقعية وتسكن الفانتازيا بداخله

-فيدخله القارىء من باب الواقعية إلى عالم ( الفانتازيا ) ثم يخرج منه من باب الواقع مرة أخرى

حسنا سيدي ..
ما تحدثت عنه هنا يندرج حديثا تحت قائمة الفانتازيا الغير معتمدة على العوالم الفانتازية .. حيث يكون العالم الفانتازي متصلا بالواقعي و معتمدا عليه , و هنا نحن نتحدث عن كلاسيكيات الفانتازيا القديمة , حيث كانت قصص أليس مغامرات كل مغامرة منفصلة عن الأخرى , و هنا سنجد أنفسنا نتحدث عن مبادئ الروايات المسلسلة , حيث على الأديب وضع أساسا عاما للسلسلة تتبعها , ثم عليه أن يملئ فجوات كل عدد بما يريد , لكن في نفس الإطار العام للسلسلة .. و لك أن تعرف سيدي أن الدكتور أحمد خالد توفيق قد استخدم نفس الفكرة في سلسلته المعروفة ” عبير ” مع التجديد بالطبع تماشيا مع روح العصر , لكنها نفس الفكرة سيدي ..
ما أود قوله لك أنك عكست الأمر فقط , أليس تبقى رواية فانتازية , حيث يكون قالبها هو الفانتازيا , بعالم أليس الغامض و الأرنب الأبيض , أما القلب فهو يكون مزيجا من الواقعية و الخيالية و الرومانسية و البوليسية و الأكشن و ما تريد إضافته سيدي ..
ولهذا أعدل على تعريفك سيدي للواقعية السحرية و أخبرك أن الفانتازيا هي أي رواية تعتمد على عنصر الخيال المغاير للواقع فيها , سواء كانت أحداثها متصلة بالواقع أم غير متصلة , سواء كانت تحتوي على رومانسية , مشاكل اجتماعية , أم غير مشتملة , تبقى تحت الإطار العريض : الفانتازيا ..

-ولو قلت ( س ) بدل ( الفانتازيا ) لكان تعريفي أشمل ليضع كل روائي ما يشاء

-فالقيمة ( س ) قد تكون رعب أو ألغاز أو مغامرات أو رومانسية أو حزن أو رمزية أو خليط من هذا وذاك

-فيستطيع الروائي بهذه الطريقة أن يقول ما يشاء من أمور – فانتازية مثلا – تحت مظلة الواقعية

بقلم \ الساحر

  • شارك برأيك