منتديات حكاوينا الأدبية

منتديات حكاوينا الأدبية (http://7akawyna.com/vb/index.php)
-   روايات أحلام المكتوبة (http://7akawyna.com/vb/forumdisplay.php?f=63)
-   -   207 - ملاك في خطر - شارلوت لامب (كاملة) (http://7akawyna.com/vb/showthread.php?t=487)

athenadelta 09-28-2012 11:10 AM

207 - ملاك في خطر - شارلوت لامب (كاملة)
 
ملاك في خطر


الملخص

الاباء ياكلون الحصرم والابناء يضرسون ..
ماذنب ملاك الرحمة لويزا جيلبي ان كانت سيارة والدها قد اصطدمت
بسيارة الرسام الشهير زكاري ويست ؟!
وما ذنبها ان التهمت النيران لوحاته وشوهت وجهه الذي افقد صواب نساء كثيرات ؟!
- لا تكذبي علي ! اعرف ما اراه في المرآة ! لن يغمى بعد الآن على أي امرأة عند رؤيتي
الا رعبا كما فعلت انت الآن !.
ولكن هل يعلم زكاري ان سبب اغماء لويزا لم يكن الرعب بل نبضات قلبها المتسارعه *
التي افلتت من سيطرتها مذ رأته ممددا على السرير الابيض !

الرابط من انجاز
day break
يجب ان ترد لمشاهدة المحتوى المخفييجب ان ترد لمشاهدة المحتوى المخفي

athenadelta 09-28-2012 11:13 AM

1- ملاك الموت

وضع زاكاري ويست اخر لوحة في سيارته * ثم عاد يتفحص الحمل ليطمئن الى حسن توضيبه . اراد تجنب أي حادث في الطريق لذا اخذ اللوحات بنفسه * بدلا من ان يرسلها بالشحن كما اراده ليو ان يفعل .
- ان ذلك آمن اكثر يا زاكاري واقل ازعاجا لك ! يحزمون كل شيء بأنفسهم .
- افضل القيام بذلك بنفسي .
- هذا جنون يا زاكاري فهؤلاء الناس خبراء ..
- لقد فقدت ذات رة لوحة من لوحاتي عندما سقطت من احدهم وداس عليها بقدمه . لا اريد ان يتكرر ذلك * ساحزمها بنفسي ثم آخذها الى لندن .
- لماذا العناد ؟ يالك من رجل مثير للغيظ .
اخذ ليو يجادله لكن زاكاري لم يغير رأيه . اعتاد ان يفكر كثيرا وبامعان فبل القايم بأي عمل * لكنه عندما عزم على امر ما * لا يغير رأيه بسهولة .
كان يعتقد ان الحل الاخير يجب ان يكون بيده والرأي النهائي رأيه وقد اثبتت الحياة انه على صواب .
اسبع عليه سرواله الاسود مظهرا قاسيا وزاد هذا الانطباع قامته الفارعه * وشعره الاسود الخشن وتقاطيع وجهه الحاده وشكل ذقنه الصارم . ولم ينتبه زاكاري لهذا يوما *
وبالرغم من نظرات الانزعاج التي يرمقه بها المارة في الشارع فهو نادرا ما يلتفت الى الاخرين لانشغال ذهه الدائم بعمله .
نادرا ما كان يذهب الى لندن . ومنذ حوالي عام انقطعت صلته بالنساء بعد ان اكتشف ان صديقته الاخيرة كانت تخرج مع رجل اخر في الوقت نفسه
وقد صرح لها زاكاري وبكل قسوة عن رأيه بها ولم يرها منذ ذلك الحين . كما لم تعد تخطر بباله الا عندما يجد ما يخصها في ارجاء كوخه .. كمشطها او منديلها الذي يفوح منه شذا عطرها * او احمر شفاهها ..
حينذاك كان يلقي بالغرض بعيدا وهو مقطب الجبين لكن صورة عينيها المتألقتين وفمها المغري كانت تعود لتملأ جو الكوخ * مما يدفعه الى العمل بكد لينسى ذكراها .
اعتاد عندما لا يرسم ان يعتني بالحديقة حيث زرع حاجته ن الخضار والفواكه * وان يهتم بدجاجاته التي تزود بالبيض الطازج . وهكذا عاش بسيطا معتنيا بشؤون بيته بنفسه .
بنى كوخا يعلوه القميد الاحمر قبطان سفينة متقاعده في عهد الملكة آن .وقد حافظ فيه على اجواء البحر * فجعله مطلا على شاطئ منطقة سافلوك التي تعصف في ارياح
فتتغلغل في الالواح الخشبية القديمة التي تقترقع وتتأوه .
لم يتغير ذاك المنظر منذ 300 سنه فما زال مسكونا وحيدا موحشا مطلا على بحر عاصف
كانت قرية تيرتون تبعد ميلا عن الكوخ بينما تبعد اقرب المدن وهي مدينة صغيرة تدعى وينبري اكثر من 20 دقيقة في السيارة .
جذبت العزلة زاكاري الى هذا البيت . اذ يمكنه ان يعمل دون ان يقاطعه احد او ان يصرف ذهنه عن العمل شيء .
كان النهار في اخره عندما خرج زاكاري من الكوخ مقفلا الباب خلفه وشاخصا بناظريه الى السماء وما زال الوقت باكرا لظهور الشفق .
ترى اتحمل تلك الغيوم امطارا ؟ لم يكن يحب القياده طويلا تحت المطر لا سيما في الليل . بان العبوس في عينيه الرماديتين وهو ينظر الى ساعته * سيكون في لندن عند الـ7 وقد لا ينهمر المطر قبل ذلك .
وفي الطريق اخذ يفكر في المعرض القادم وما يتبعه عادة من هرج ومرج ولوى شفتيه .
كان ليو يعشق هذه الاجواء ويجد متعه كبرى في قراءة اقوال الصحف عنه * وفي حضور الحفلات الاجتماعية ومتابعه مقالات النقاد عن المعرض . في حين كان زاكاري يكره هذه الامور ويبتعد عنها .
كانت هذه المناسبات تروعه وندم اذ ترك ليو يقنعه . لم يكن هذا المعرض الاول له * انما الثالث ويعود الاخير الى سنوات خلت . وكانت هذه الرسوم رائجة لسهولة فهمها .
في هذه اللحظة لمح زاكاري بطرف عينيه شيئا ابيض فأدار رأسه بحركة غريزية وعاد ولمح ذلك البياض السابح في الهواء الى جانب الطريق وراء سياج الزهور .
وامعن النظر فلم تتضح هذه الرؤيا . اهي ورقة تطير في الريح ؟ ام طائر ابيض ؟ ام بومة ؟
ضغط بقدمه على الكابح * وعندما ابطات سيارته حدق مليا اقشعر بدنه عندما تقدم ذلك البياض بمحاذاته من الناحية الاخرى للسياج .لا * ليس طائرا . ولا بومة * فما هو اذن ؟
لم يكن زاكاري يؤمن بالاشباح لطالما كره ما لايمكنه تفسيره بشكل منطقي .فقد كان فنانا ذا نظر ثاقب يدرك امكانية ان تخدعه عيناه . لابد من وجود تفسير لما يرى * ولكن ما هو ؟
اخذت سيارته تبطئ حتى كادلت تقف عندما وصل الى بوابة رأى من خلالها حديقة . شاهد في اخر الحديقة منزلا كبيرا ابيض * تمتد امامه طريق تظللها الاشجار .
ودنا المجهول منه واستدار نحوه فأدرك زاكاري فجأة كنه ما رآه . اخذ يضحك بشيء من الغضب بعد ان اكتشف مدى حماقته فقد ظن للحظة انه يرى شبحا .
لكن ما ترآى له لم يكن سوى فتاة .. فتاة صغيرة رشيقة ينسدل شعرها الطويل الاسود على كتفيها ويحيط بوجهها الابيض . ولم تكن تنظر الى الطريق فأخفى شعرها قسمات وجهها *
لذا لم يدرك انه كان يرقب انسانا يسير خلف السياج * كل ما رأه منها كان الثوب الابيض الذي ارتدته .. ثوبا واسعا ذا كومين طويليلن لقد رآها الان * بوضوح
وراء البوابة تحدق في الطريق . القت نظرة عابرة على زاكاري * ثم تحولت عيناها القاتمتا الزرقة عنه من دون اكتراث * لكي ترقب الطريق امامه * الطريق المؤدية الى وينبري .
تابع زاكاري طريقه عابسا ولو لم يكن على عجله من امره لوقف يسألها ان كانت بشرا ام جنيه * ضحك مجددا هازئا من الافكار التي راودته ففي مثل هذا الوقت يسرح الخيال لا سيما ان كان خصبا .
لم تكن شبحا ولا جنية انما كانت تتمتع بجمال غريب وفريد . ولم يستطع ان يمنع نفسه عن التفكير فيها والتساؤل عما كانت تفعله وحدها في تلك الحديقة الفارغة في حمرة الشفق .
من كانت تنتظر ؟ اتراه حبيبا ؟ كان في انتظارها نوع من اللهفة انما حدثته غريزته بأن ترقبها لا يخفي عاطفة محمومة * او شاعر غرام * بل شعور اخر مختلفا كليا . فما هو ؟
قطب جبينه وهو يحاول ان يفهم ما جعل ملامحها اشبه بملامح راهبة ! انه نقاء وجهها الابيض * وعينيها الواسعتين الزرقاوين وفمها الوردي .
بدت وكأنها وصلت من كوكب اخر من عالم روحاني .
تذكر زاكاري دانا * مقطبا ... كان هناك فرق شاسع بين الفتاتين ان دانا ...
وفي تلك اللحظة انعطفت الطريق بشكل حاد وفيما زاكاري ينعطف بسيارته * اذ بسيارة اخرى حمراء اللون تسير بسرعه جنونية تتقدم باتجاهه لتنحرف بشكل خطير .
تصلب جسم زاكاري واخذ يشتم وقد شحب لونه * ضغط على الكابح بعنف * ومال بسيارته بسرعه جنونية الى جانب الطريق * لكنه لم يستطع تجنب السيارة الحمراء فصدمته بعنف جعل سيارته تنزلق لتخترق السياج .
دفعته الصدمه الى الامام بعنف * فأرتطم صدره بالمقود . ولكن حزام الامان ثبته ورده الى الخلف . واصطدم رأسه بجانب الباب فشعر بالدوار للحظة مالبث ان اشتم بعدها رائحة لاذعه حاده .
آه * يا الهي .. تأوه وهو يستجمع ما تبقى من قواه بعد ان ميز رائحة النبزين .
اخذ يكافح في سبيل التخلص من حزام الامان * وقد شحب وجهه .
ولكن ما ان تمكن من ذلك دوى انفجار واندفع امامه جدار من اللهب . ومن ثم اقتربت النيران فصرخ زاكاري بألم بالغ وهي تلفحه ورفع يديه بسرعه ليحمي وجهه من اللهب * ولكن عبثا .
***
ارتفع صوت جرس الهاتف حين اوشكت لويزا على بدء جولتها التي تأجلت مرارا بسبب الازمات المتتالية . تأوهت وهي ترفع السماعه *
متسائلة عما يجري . كان صوتها هادئا رقيقا * لا يفصح عن افكارها وهي تقول :
- قسم الحروق .
- الاخت جيلبي ؟
كان الصوت مألوفا فظهرت على وجهها وفي عينيها ابتسامة ناعمه غيرت ملامحها * وردت برزانه :
- نعم يادكتور هالوز .
كانا يحرصان في المستشفى على ابقاء علاقتهما رسمية . بدا صوت دايفيد تعبا * ولاعجب في ذلك * فهو في غرفة العمليات منذ ساعات .
- انه في غرفة الانعاش وسينقل الى قسمك بعد نصف ساعه تقريبا لقد ارسلت اليك الاوراق . واجه العملية بشكل جيد جدا * انه قوي صلب وسيخرج من المحنة بسلام . لكن صدمة ما بعد العملية متوقعه طبعا . ان اجتاز الساعات الـ24 التالية دون أي انتكاس فاحتمال الشفاء كبير .
اخذت لويزا تستمع اليه مقطبة الجبين وقد امتلآت عيناها الزرقاوان عطفا . لقد مضى عليها في هذا القسم سنوات عدة واعتادت رؤية رجال ونساء واطفال يعانون من حروق مروعه . لكن مشاعرها لم تتجمد قط فهي ما زالت تتأثر لما تراه .
- لحسن الحظ لم نستعجل في المغادرة . بأكاني ان اعين له ممرضة خاصة تسهر عليه طوال الليل وسنعتني بهذا الرجل المسكين قدر الامكان .
- انا واثق من ذلك * فلديك فريق من الممرضات الكفؤات .
وسكت قليلا قبل ان يضيف بلهجة شخصية وبصوت منخفض :
- هل مازلت مصممة على مرافقتي للرقص مساء السبت ؟
دعاها منذ اسابيع ولكنها كانت تتردد * وتحذره من انها قد تعمل في عطلة نهاية الاسبوع * لأن الممرضة التي تنوب عنها ستذهب في اجازة.
كما ان الممرضة الاخرى في قسمها متغيبة في اجازة مرضية لكسر في ساقها . وهكذا لا يمكن للويزا ان تعرف مسبقا ان كانت ستتمكن من تأمين ممرضة مشرفة للقسم ليلة السبت .
فقالت بحيرة :
- حسنا * علي ان اجد حلا لهذا يا دايفيد . لقد سويت الامر مع الاخت جنكنز من قسم الجراحه وستنوب عني لبعض الوقت . سبق وامضيت في هذا القسم مدة طويلة قبل انتقالها الى قسم الجراحه * هي بالتالي تعرف نظامه جيدا * ستقوم بالمناوبة من الساعه الـ8 حتى الـ 2 صباحا ثم استلم انا العمل .
فقال بسرور جعلها تتصور الابتسامه ترتسم على وجهه .
- سترافقينني الى الحفلة اذن ؟
لم يكن دايفيد هالوز وسيما لكنه يتميز بوجه هادئ مألوف وعينين بنيتين دافئتين * وبنظرات ودوده مباشرة وفم حازم انما بلطف . كان اكثر موظفي المستشفى شعبية .
- اود ذلك ! وشكرا لهذه الدعوة دايفيد .
اعتادت لويزا في الاشهر الاخيرة ان تخرج معه لتناول العشاء * لكنهما كانا يعلمان ان هذه الدعوة مختلفه . في حفلة المستشفى الراقصه هذه سيقرنان معا وسيكونان محط انظار الجميع .
قال دايفيد متشائبا :
- حسنا * سأذهب الى فراشي الآن * لكنني الطبيب المناوب الليلة * فاذا احتجت اليّ... .
- لابد انك منهك * ارجو الا نضطر لإيقاظك .. تصبح على خير .
وضعت لويزا السماعه ثم غادرت مكتبها . كانت العتمة تلف القسم بعد ان اسدلت الستائر * وقد جلست احدى ممرضاتها قرب مريض لا يزال في حالة خطر .
رأت بعض الاسرة الخالية وقد نزعت عنها الاغطية وتصاعدت منها رائحة المطهرات . وفي اسرة اخرى * رقد المرضى جامدين كالمومياء وقد رفعت الاغطية عنهم كي لا تلقى بثقلها على اجسادهم المعذبة . كانوا يخافون الحركة * فاستلقوا اسرى آلامهم لا يبدو عليهم من علامات الحياة سوى بريق عيونهم .
سارت لويزا من سرير الى اخر لا يسمع لخطواتها صوت * واخذت تتحدث برقة الى المستيقظين من المرضى * مسرية عنهم واعده بما يخفف الألم . كما وقفت تتأمل أولئك الذين استغرقوا في النوم قبل ان تتابع سيرها .
كانت تحب العمل ليلا * اذ يتملكها شعور فريد نحو القسم . في تلك الساعات الطويلة المظلمة حيث ينام العالم * وتبقى وحدها مستيقظة * تشعر وكأنها اقرب من المريض.
فأثناء النهار يأخذ حذره ويخفي مخاوفه وقلقه ولهفته. ولكنه اثناء الليل يحتاج الى من يطمئنه ويخفف عنه ويشاركه آلامه واوجاعه . لقد اختارت التمريض لأنها ارادت مهنه هي اكثر من مجرد وسيلة لجمع المال .
ارادت ان تخدم من حولها وقد جعلتها مساعده المرضى تشعر بأنها تنجز عملا هاما .
عادت الى مكتبها حيث انهت بعض الاعمال المكتبية * وفيما انكبت على عملها مقطبة الجبين سمعت صوتا مرحا يقول من خلفها :
- لقد عدت من مطعم المستشفى يا اخت جيلبي حيث قدموا لنا فطائر السمك مرة اخرى . اتمنى لو يضعون فيها شيئا من السمك ! فقد كانت محشوة بالبطاطا وبمرق البقدوس فقط .
كثرت لويزا وهي تتخيل الطبق:
- ارجوك ! انك تشعرينني بالغثيان .
- هل ارسل الاخريات الآن ؟
- نعم * ثم اعطى غراهام حقنته * من فضلك .
خرجت ممرضاتها لتناول طعامهما فحرت لويزا كوبا من الشراب الساخن الذي تتناوله دون حليب وسكر ليساعدها على السهر ليلا .
لم تأكل قط في مطعم المستشفى * اذ كانت تجد طعامهم ثقيلا * وكان من العبث الشكوى او الاحتجاج على طعمه * فقد كانت الميزانية محدوده .
وعتادت لويزا ان تأكل في مكتبها الفواكه او اللبن او المكسرات * وتتناول وجبتها الاساسية في البيت قبل حضورها الى العمل .
تصاعد صوت جرس الهاتف مخترقا السكون* فجفلت وانزلق قلمها على الورق . كانت اعصابها متوترة للغاية هذه الليلة * فتناولت السماعه محاولة تمالك نفسها :
- قسم الحروق .
- هنا قسم العمليات * سننقل السيد ويست الى قسمكم الآن .
- حسنا * نحن مستعدون لاستقباله .
اقفلت لويزا السماعه ووقفت . رأت من خلال الباب السرير المرتب الجاهز لاستقبال المريض الجديد * وسمعت جلبة في غرفة الغسيل خلف مكتبها فدفعت الباب .
كانت الممرضة انيتا كارتر مشغولة بتعقيم الآواني فعلت الحمرة وجهها عندما رأت رثيستها تنظر اليها .
- هل انت بحاجه الي * يا اخت جلبي ؟ اسفة لانشغالي بهذه .
- سيحضرون المريض الجديد الآن . دعي هذا العمل وسأطلب من الممرضة بريت انجازه عند عودتها من المطعم . اريدك ان تبقي مع هذا المريض* فسيكون بحاجه الى مراقبة مستمرة . يمكنك تمييز دلالات الصدمة وهذا ما يهمنا بالنسبة له . اذا رأيت أي علامة تدعو الى القلق * فلا تترددي واقرعي جرس الانذار .
استقامت الممرضة كارتر في وقفتها تسوي ملابسها * وغطاء رأسها الذي يخفي شعرها الجعد . كانت ممرضة طبية بالرغم من افتقارها للأناقة والمهارة وكانت محبوبة ايضا * مما جعل لويزا تبتسم لها وهي تتركها .
سمعت الاثنتان صوت حركة المصعد .
- هاهم قد اقبلوا .
وتقدمت لويزا للقاء القادم الجديد * بينما اسرعت الممرضة كارتر تفتح الباب الدوار لكي يتمكنوا من ادخال العربة التي يرقد فوقها المريض الى القسم . استلمت لويزا ملف المرض من الممرضة الموافقه له *
والقت نظرة سريعه على ذلك الجسم المتصلب الذي كان ممددا فيها . كان غائبا عن الوعي * واجفلت لرؤيته * لكن خبرتها اعلمتها ان اثار الحروق يمكن علاجها في الوقت المناسب لتخفي عن وجهه .
تمتمت وهي تنظر الى الملف :
- زاكاري ويست . عمره 34 عاما . حسنا ! يقول الدكتور هالوز انه قوي وسيجتاز المحنة. لا ادري أي نوع من المرضى سيكون .
فأجابت الممرضة المرافقه له :
- انه ليس سهلا* لقد رأيته عندما ادخل المستشفى ... لم يكن قد فقد وعيه بعد * فملأ المكان بشتائمه .
فعلقت لويزا شارده وهي تحدق في بنية هذا الرجل الغائب عن الوعي القوية :
- هذا امر عادي .
- هذا صحيح لكنه ترك لدي انطباعا بأنه رجل غضوب للغاية . واذا صادف يوما الرجل الذي سبب له الحادث فيرتكب جريمة لا محالة .
قطبت لويزا جبينها واغلقت ملف الملاحظات .
- شكرا لك . يمكنك ان تعودي الى قسمك الآن .
ثم سارت في الممر لتطمئن الى حال المريض * فقد تسبب له اقل لمسة آلاما مبرحة بالرغم من غيابه عن الوعي * وذلك لدقة العملية التي اجريت له .
عندما استقر المرض عادت لويزا الى مكتبها كي تنهي عملها . كانت تتمنى احيانا لو انها لم تستلم مسؤولية القسم * اذ كانت تفضل التعامل مع المرضى على القيام بالاعمال المكتبية .
وقبيل الفجر قامت بجولة اخرى بين المرضى . كانت المرضة انيتا كارتر لا تزال الى جانب سرير زاكاري .
تفحصت لويزا الملاحظات المدونة* وكانت الممرضة تسجل نبضه وحرارته كل ساعه * فلم تلحظ أي تغيرات ...
- ألم يسترد وعيه بعد ؟
- ظننت ولمرات عدة ... .
سكتت الممرضة فجأة عندما بدريت من المريض حركة طفيفة * لابد ان صوتها ازعجه * فقد فتح جفنيه المتورمتين * والتمعت عيناه الغامضتان ثم صدرت عنه صرخة مخنوقه .
سمعت لويزا في صوته غضبا وألما مبرحا * فانحنت عليه تتمتم كلمات مواسية من دون ان تلمسه لأنها تعلم ان أي لمسه له عذابا هائلا .
لكن صوتها امنخفض الرقيق جعل عينيه تتحولان اليها بعنف :
ماذا فعلتم بي ؟
- اننا نعتني بك * يا سيد وست فلا تقلق .
فرد بحده :
- ابتعدي عني .
تراجعت وكأنه صفعها ثم قالت للمرضة :
- اعطيه حقنة الدواء الآن .
وما هي الا لحظات حتى عاد المريض الى النوم بعد ان استرخى جسمه فتنهدت لويزا وابتعدت عنه .
عندما عادت الى مكتبها * اتصلت بقسم اخر بأصابع مرتجفه :
- مرحبا بيت . انا لويزا * كيف حاله الآن ؟
- حالته ممتازة* يا لويزا * فلا تقلقي . اصيب بصدمه خفيفه وببعض الرضوض . ما من شيء خطير . زاظنه سيغادر المستفى اليوم * هل ستزورينه فيما بعد ؟
- نعم * قبل ذهابي الى بيتي .
وضعت السماعه وقد ترقرقت في عينيها دمعه مسحتها بغضب .
*****
احاطت بزاكاري حلقة من نار . تصاعد اللهب امامه * وتناثرت شظايا الزجاج اللامعه كالخناجر لتندفع نحوه * كما لفحت جسمه ووجهه حرارة بالغة افقده بصره .
انا اعمى * انا اعمى * انا اعمى ... ردد هذه الكلمات في احلامه صارخا لكن احد لم يسمعه .
كانت تظهر هي احيانا وتسبح في الجو الى جانبه .. خفيفه كريشة بيضاء كحمامه سلام * اشبه بحلم فتهدئه وتواسيه . ويناديها من وسط حلقه النار فتلفت تحوه وترمقه بنظراتها .
شعر اسود طويل يتطاير خلفها وجه حلو رقيق عينان واسعتان قاتمتا الزرقة تشعان عطفا وحنانا . ويتلاشى الألم * فيتنهد زاكاري* وهو يمد يديه نحوها واذا بها تتلاشى مرة اخرى * فتعود الاحلام المزعجه لتقض مضجعه .
استطاع زاكاري ولمرة واحده ان يفتح عينيه ويناديها * لكنه لم يرها * وانما رأى وجهها اخرى * وجوها غريبة تحدق فيه .
نظر اليهم بغضب * من هم ؟ وماذا حدث لذات الرداء الابيض ؟ حاول ان يسأل * لكن شفتيه حبستا كلماته . انحنى فوقه احد تلك الوجوه ليقول شيئا لم يسمعه جيدا .
كان وجها باردا شاحبا اشبه بوجه راهبة * وكرهها زاكاري من النظرة الاولى بشعرها المربوط وفمها المتوتر .
- اين انا ؟ وماذا حدث ؟
حاول ان يسأل لكن الكلمات خرجت من بين شفتيه مبهمه* حاول مرة اخرى وفي صوته نبرة اتهام :
- ماذا فعلتم بي ؟
فتحت فمها وردت عليه * لكنه لم يسمع أي كلمة لم يكن يريد سوى ان تبتعد عنه . وهذا ما قاله لها فتصلب جسمها .
تحدثت الى الفتاة الاخرى بصوت خافت * ثم شعر زاكاري بوخزة ألم . حملق فيهما * ما هذا ؟
ماذا ..؟ لكنهما غابتا من جديد . وغرق هو في احلامه داخل حلقه النار . اراد ان يصرخ لكنه لم يستطع فقد عاد الألم ينهش جسده .
حاول ان ينظر من خلال اللهب * فرأى الفتاة ذات الرداء الابيض * تبتسم له بحنان * واذا بخوفه يتلاشى اذ تصورها ملاكا * ملاكا فعلا ...!
لم لم يدرك ذلك من قبل ؟ انا ميت * وهي ملاك .
*****
عندما غادرت لويزا القسم بعد انتهاء عملها * توقفت عند القسم الـ11 . كان المرضى قد تناولوا فطورهم واستلقوا يقرأون الصحف او يبادلون الاحاديث * فيما باشرت الممرضات عملهن الصباحي المعتاد .
اتجهت لويزا الى مكتب الممرضة السؤولة لتلقي عليها التحية قبل ان تدخل القسم .
كانت بيث داوليش زميلتها في مدرسة التمريض * وقد غادرت القسم منذ وقت طويل بينما حلت محلها ممرضة لم تكن لويزا تعرفها جيدا .
- نعم . اعلمتني الاخت داوليش انك ستأتين . جيد* يمكنك المكوث مع المريض قدر ما تشائين* مع انني اعتقد انه سيغادر المستشفى عصر هذا اليوم . كان يمكن لحالته ان تكون اسوأ .من هو الشخص الآخر الذي ارسلوه الى قسمك ؟ سمعت ان اصابته خطيرة جدا . احتراق سيارة ؟ لا اعلم كيف يمكنك العمل في ذلك القسم * لقد علمت فيه لفترة فكرهته . لا بد ان اعصابك من فولاذ .
لاحت ابتسامة فاترة على شفتي لويزا وقالت :
- لقد اعتدت عليه * جاء مريضنا خلال الليل * وحالته كما كنا نتوقعها .
فنظرت الممرضة اليها بجفاء :
- نعم .. الامر بهذه السهولة * اليس كذلك ؟ حتى وان اجتاز المحنة فهذا لا يكفي . مازالت الطريق امامه طويلة طويلة .
فردت لويزا وهي ترتجف :
- نعم * حسنا * ساتركك الآن لعلملك... .
ثم سارت بثبات الى اخر سرير في القسم . كان الرجل الجالس فيه يسند ظهره الى الوسائد * ويحدق في الفراغ * وقد شحب وجهه . اددار رأسه ينظر اليها وهي تجلس على كرسي قرب السرير :
- لويزا ...
ومد يده يشد على اصابعها الى درجتها آلمتها :
- هل ... هل هو ... ؟
فقالت بصوت منخفض اجش :
- انه حي ... لا تقلق يا ابي * فسيعيش

athenadelta 09-28-2012 11:24 AM

2- هي الداء والدواء !

نامت لويزا بشكل منقطع ، إذ لم تعتد أن تنام في النهار نوماً عميقاً .
نهضت من سريرها عند العصر ، وأكلت تفاحة وشطيرة وأحتست
فنجاناً من الشاي ، ثم ارتأت أن تقوم بنزهة على قدميها في الهواء الطلق
لتجدد حيويتها ، كانت تسكن في شقة مؤلفة من غرفتين صغيرتين
نقع على مسافة قريبة من المستشفى ومن شوارع ( وينبري) المخصصة
للمشاة ، التي تكثر فيها المحال التجارية والمقاهي .
كان النهار مشمساً ، والناس يتجولون بين المتاجر .
انتهت من التسوق في ( السوبرماركت) الكبير القائم في وسط الساحة .
وقفلت عائدة إلى بيتها ، وفي طريق العودة ، كادت تصطدم بفتاة شقراء
تكاد في مثل سنها .
- آه ، هذا أنت !
لم تكن لهجة الفتاة تحمل أي مودة ، بل كانت عيناها الخضراوان تشعان عداء.
فقالت لويزا ببرودة ، وقد بدت الكراهية متبادلة : ( مرحبا ، نويل ، هل عاد أبي ؟)
- نعم ، وكان عليّ أن أذهب لإحضارة . لقد رفضوا إرسالة إلى البيت
بسيارة إسعاف .
- سيارة الإسعاف مشغولة جداً.
فقاطعتها الفتاة بغضب :
- لقد نقلوه إلى المستشفى في سيارة إسعاف . فلم لا يستطيعون إعادته
بالطريقة نفسها ؟ كان لدي موعد عمل هام ، كما لا يمكنني ترك المكتب متى شئت .
وقد أحرجني إلغاء الموعد . وجلّ ما أرجوه هو ألا نخسر اتفاقية عمل لهذا السبب.
اتصلت من المستشفى امرأة متسلطة جداً، فقد أصرت على أن نحضر لاصطحابة . ولا أدري
لماذا لم يعد إلى البيت في سيارة اجرة ، أو لماذا لم تحضريه أنت إلى البيت ، فأنت تعملين هناك!
ما كان هذا ليزعجك ! قالوا إنك في بيتك ، لكنني عندما اتصلت بك ، لم يجبني سوى آلة التسجيل .
فأجابت لويزا ، محاولة ألا تفقد أعصابها : ( أنا أعمل ليلاً وعليّ أن أنام في النهار).
ردّت عليها نويل بحدة ( وعلي أنا أن أعمل لأن أباك لم يتكبد عناء إدارة الشركة !
ولولا جهودي لأفلسنا في سنة . لقد ترك الأمور تتدهور لسنوات ).
- كفانا حديثاَ عن أمور الشركة . كيف حال أبي ؟ أتركته وحده ؟
لا ينبغي أن يبقى وحده على الإطلاق ، إنه جزين جداً.
- لا تعلّميني ما عليّ فعله ! فأنا لم أهد سكرتيرة أبيك بل زوجته ، ولا
أحتمل معاملتك لي باستعلاء .
- أنا لا أفعل ! لكنني لا أظنك تدركين مدى تأثير الصدمة عليه ..
أردت أن أوضح لك الناحية الطبية .
- حسنا ! لا أريد أن أسمع . فأنا لست واحدة من ممرضاتك ، تحركينها
بإشارة من إصبعك .
لم يكن يسرها أن تنظر إليها زوجة أبيها بمثل هذه الكراهية . وشعرت لويزا
إزاء هاتين العينين الخضراوين بما يشبة الغثيان . كانت
نويل غاية في الجمال ، لكن جمالها سطحي برأي لويزا .
عندما توظفت نويل في شركة أبيها كسكرتيرة ، لم تشعر لويزا نحوها
بالإرتياح ، ولم يخطر في بالها أن نويل تهتم لأمر أبيها ..
فهو يكبرها بأكثر من عشرين عاما!
ولسبب ما لم تحبها نويل هي أيضاً. وحين أعترف لها أبوها بعلاقته مع سكرتيرته ،
فوجئت لويزا وتملكتها الصدمة ، ولم تستطع إخفاء مشاعرها ، لكن كان عليها أن تخفيها
وتمنت لو أنها فعلت . كما تمنت بمرارة لو تحب نويل ، ولو تصبحا صديقتين ، وذلك من أجل أبيها .
لقد حاولت ذلك مراراً عندما أدركت أن علاقتها جادة وأن نويل ستتزوج أباها .
ولكن ، عبثاً ، فقد كانت نويل تكرهها ولم تشأ مصالحتها .
واضافت نويل ، وهي ترمقها بنظرة حادة لاذعه :
- على أي حال ، ليس وحيداً في البيت ، إن السيدة ( نورث) في البيت تنظفه ،
وقد طلبت منها أن تعتني به ، رفض التوجه إلى سريره ، وفضل الإستلقاء على الأريكة
لمشاهدة التلفزيون ، ولم ألاحظ أي شيء غير عادي ، وإذا كان حزيناً فهو يستحق
ذلك لقيادته السيارة كالمجنون ، كاد يقتل ذلك الرجل !
شحب وجه لويزا إذ أدركت أن كلامها صحيح : (لكنه لم يفعل والحمد لله ).
- لو خحدث ذلك لكان الذن ذنبك .
أجفلت لويزا ، ولم تقدر على الإنكار ، ثم عادت نويل تقول متشفيه :
- لو أنك لم تتصلي بأبيك وتحدثي كل تلك المشاكل لما ترك الحفلة قادماً إليك كالمجنون .
ازداد شحوب وجه لويزا . كان هذا صحيحاً ، ولا فائدة من الندم الآن .
لو كان بإمكانها العودة إلى الوراء لغيرت الأحداث الأخيرة التي عصفت بحياتها
ولم تتمكن من تجنبها ، لقد اتصلت بأبيها وأظهرت له خيبة أملها ،
فأسرع إلى البيت ليخفف عنها ، ولو لم يفعل ،لما وقع ذلك الحادث ولما استلقى زاكاري ويست على
سرير في المستشفى يتأرجح بين الحياة والموت ، ولما وقف أبوها أمام العدالة ليعاقب على قيادته الخطرة .
أو ربما على اسوأ من ذلك ، أذا لم يخرج زاكاري ويست من المحنة بسلام ، وشعرت ببرودة تسري في عروقها ،
ماذا لو لم ينجُ ؟ ..لا ، لا يمكنها التفكير في ذلك .
وعادت نويل تقول : ( لأنك انسانة أنانية أفسدك التدليل )
فنظرت لويزا إليها ببلادة . هل هي حقاً كذلك ؟ كان عليها أن تتصرف بحكمة
أكبر بدلاً من أن تفقد أعصابها لمجرد أن أباها نسي عيد ميلادها وخرج مع زوجته .
لكنها شعرت حينذاك بألم عميق ، وبإمال كبير ، لطالما كان أبوها شارد الذهن .
فتذكره عادة بعيد ميلادها ، لكنها تكاد لا تراه هذه الأيام ، وقد اتصلت به منذ أسبوع لتذكره ،
وتسأله أن يتناولا طعام الغداء معاَ ، لكنه لم يكن في المنزل ، فاضطرت إلى إبلاغ نويل ،
التي لم تعلمه باتصالها ، بل أغرته ليرافقها إلى غداء عمل ،
كانت نويل مصممه على إخراج لويزا من حياة أبيها ، ولم يعِ الأب المعركة التي كانت تدور بينهما من أجلة .
استغربت لويزا أن تتفهم الأمر من وجهة نظر نويل ، فلا بد أن سن أبنة زوجها يحرجها ،
ويظهر بوضوح فرق السن بينها وبين زوجها ، ولعلها تغار من حب الآب لابنته ،
ذاك الحب الذي يذكرها بزوجته القديمة .
كان الشبة بين لويزا وأمها واضحاً كما تبين لنويل من الصور التي ملأت البيت .
فقد كانت أنّا جيلبي ، والدة لويزا ،امرأة رائعة الجمال .
توفيت وهي في الأربعين من عمرها ، تاركة وراءها ابنتها الوحيدة لتذكر
هاري بالمرأة التي تزوجها وهو في العشرين من عمره .
وأمضى أبوها بعد وفاتها سنوات من الوحدة ، لذا استطاعت لويزا
أن تفهم سبب رغته في الزواج من جديد ، رغم أن أختياره أذهلها وأزعجها .
كما فهمت مشاعر نويل ، لكن تفهمها لم يسهل الأمر عليها ، ولطالما كانت لويوا مولعة بأبيها ،
لا سيما منذ وفاة أمها ، وقد صعب عليها الابتعاد عنه .
حاولت تقبل هذا الوضع الجديد ، من أجل أبيها . وأرادت أن تراه سعيداً من جديد بالرغم من انزعاجها لزواجه من فتاة في مثل سنها .
ليتها لم تستاء حين أدركت أن أباها نسي عيد ميلادها وأنه لن يتمكن من العودة في الوقت المناسب ليراها .
لطالما كان عيد ميلادها يوماً فريداً ، يحوله أبوها إلى يوم ساحر .
اعتادا تناول الغداء في مكان مميز ثم تمضية بقية النهار إلى غير رجعه .
فأحست بالأسى والألم . وعندما علمت بمشاريعه ، تصرفت بطريقة صبيانيه فاتصلت
به في الحفلة ، لتشعره بالذنب .
ما كان عليها أن تفعل ذلك .. ولكن أتى لها أن تعرف أن تصرفها هذا سيؤدي إلى مثل هذه الكارثة ؟
قالت نويل :
- كما سيخسر رخصة السوق لمدة عامين على الأقل ، كما يقول المحامي .
وهذا ليس بأسوأ الاحتمالات . حسناً ، لن أتمكن من مرافقته بالسيارة حيث يشاء . بل عليه أن يستخدم سائقاً خاصاً.
يمكنه أن يدفع أجره بالرغم من أنه يردد أن حالته المادية متردية .
لم يكن بهذا البخل حين تزوجته ، لو استخدم سائقاً ، لما وقع ذلك الحادث ، ففي مثل سنة
يصبح الحكم على الأمور مغلوطاً بعض الشيء.
فتصلب جسم لويزا : ( ماذا تعنين بقولك ( في مثل سنه ؟) أبي لم يبلغ الخمسين من عمره بعد ).
لم تكن نويل متقدماً في السن حين تزوجته ! فلطالما تحدثت عن شبابه الدائم .
وطاقته وحيويته البالغة ، وقد حافظ هاري على تلك الصفات طوال السنة الماضية إذ أخذ يعمل
ويلهو ويسهر لكي يماشب زوجته الشابة . فإن لم يرافقها إلى حفلات الكوكتيل ، والعشاء ولقاءات
العمل ، قصد ملاعب الغولف ليلعب مع الزبائن أو مع أشخاص تعرفهم وتريد أن تترك لديهم أنطباعاً جيداً عن زوجها .
هزت نويل كتفيها قائلة : ( لم تعد ردات فعله كما كانت ).
- لعله يحضر الكثير من الحفلات !مما جعله ينفق الكثير من الطاقة .
فحملقت زوجة أبيها فيها :
_ أحسنت ! ألقي اللوم علي! ستقولين إن الذنب ذنبي أنا ، أليس كذلك ؟
حسناً ، هذا غير صحيح ..فهاري يتسمتع بالحياة الأجتماعية ولطالما استمتع بها ،
حتى قبل أن يعرفني .


athenadelta 09-28-2012 11:31 AM

لم تستطع لويزا نكار ذلك ، لأن أباها يتمتع بالحيوية والنشاط ، ويحب رفقة الناس ، لا سيما الشباب منهم .
لذا وقع في غرام شقراء فاتنه كانت سكرتيرته ، وقد شجعته نويل فلم يتسطع هاري جيلبي مقاومة سحرها وفرصة أن يجدد شبابه .
وتنهدت لويزا : ( نعم ، أعلم ذلك ) .
ثم عضت على شفتيها ونظرت إلى زوجة أبيها متضرعة وأضافت :
( نويل ، لماذا نتشاجر دائماً بهذا الشكل ؟ لا سيما الآن ، وأبي في ورطة ..
سيكون بحاجه إلينا معاً خلال الأشهر القادمة ، ألا يمكن أن نكون صديقتين ).
لكن ملامح نويل الرائعة لم تلن ، بل التمعت عيناها الخضراوان حين قالت :
- تسبب بما يكفي من الأذى ، فاتركينا وشأننا . إن هاري لي أنا الآن وليس لك.
استدارت لتبتعد ، لكنها عادت ووقفت ثم سحبت جريدة من حقيبتها الجلدية ،
وناولتها إياها قائلة هل قرأت هذه ؟)
ولم تنتظر جواباً ، بل تابعت طريقها وتركت لويزا تحدق في صورة زاكاري ويست التي تعلو عنواناً يقول :
( حادث يلغي معرض ويست ).
التفتت لويزا تبحث عن مكان لتجلس فيه وقد ازداد قلقها واكتئابها .
توجهت مرتجفه نحو أحد المقاهي وتهالكت على مقعد بجانب الباب .
وسألتها النادلة وهي تتقدم نحوها :
- ماذا تطلبين ؟
- قهوة من فضلك .
- هل ستأكلين شيئاً؟
شعرت لويزا بداور طفيف فتمتمت تقول :
- شطيرة جبن وسلطة ، من فضلك .
توارت النادلة ،فيما فتحت لويزا الجريدة أمامها ، وعندما استوعبت ماورد فيها .
كانت النادلة قد عادت بما طلبته ، طوت لوبزا الجريدة بأصابع مرتجفة ، وحاولت الإستمتاع بطعامها .
لكن مذاقه في فمها استحال كمذاق التراب والرماد ، فقد شغل بالها ما قرأته لتوها .
جاءت نتيجة الحادث أسوأ مما تصورت ، كان زاكاي ويست فناناً مشهوراً على ما يبدو ،
وقد تحدثت الجرايد عن المبالغ الطائلة التي دفعت في الماضي ثمناً للوحاته .
وعندما وقع الحادث ، كان زاكاري ويست ينقل لوحاته إلى لندن في سيارته ليعرضها في معرض
كبير يمكله تاجر لوحات معروف ، كان من المتوقع أن يحدث هذا المعرض ضجه في عالم الفن .
على حد قول التاجر . وقد انتظره عشاق الفن بلهفة منذ اشتهرت اعمال زاكاري ويست وأخذت تعود عليه بمبالغ كبيرة .
لا سيما وأنه لم يعرض أعماله منذ سنوات .
كان عالم الغن متشوقاً إلى إكتشاف مدى تطور فنه ، من حيث النوعية والتقنية .
ويضيف التاجر بشكل مأساوي ، إن العالم لن يعرف ذلك أبداً ، إذ قضت النيران
على اللوحات التي انتجها زاكاري ويست في السنوات الأربع الأخيرة وألحقت بالفنان نفسه إصابات بالغة جداً.
سددت لويزا حسابها في المقهى وقد تملكها الرعب ، ثم توجهت إلى لويزا إلى بيتها
حيث وضعت مشترياتها جانباً ، واتصلت بأبيها تسأله بحنان : ( كيف حالك اليوم ؟ يا أبي ؟)
فرد عليها مرتجفاً ، وقد جف حلقه : ( هل قرأت الصحف ؟)
- أبي ، أبي ..لا ينبغي أن ..
- لا ينبغي ماذا ؟ أن أواجه ما فعلت ؟ يا إليهي ، عندما أفكر في ..
فسارعت لويزا تتوسل إليه : ( لا تفكر في ذلك ، يا أبي ، ليس الآن ، فما زلت تحت تأثير الصدمة ).
- وكيف أمنع نفسي من التفكير في ذلك ؟ رجل مثل هذا ، نابغه كما تقول الصحف ..
كل تلك الموهبة وذلك العطاء ..حطمته أنا ..
- لم تكن تعلم ذلك ..يا أبي ! لا تقلق ، سيتجاوز المحنة ، وعندما يتحسن سينجز أعمالاً أخرى ، فهو ما زال شاباً...
لكن كلماتها هذه لم تكن نابعه من صميم قلبها ، بل كانت تشعر بالذنب كأبيها ، فأضافت :
- على أي حال ، إنه ذنبي أنا وليس ذنبك .
- ذنبك ؟ وكيف ذلك ؟ أنا الذي كنت أقود السيارة وليس أنت .
- لكنني لو لم أتصل بك وأثير الضجه لما هرعت أن تألي !
- لكن هذا لا يجعل الذنب ذنبك ، يا لويزا ، فأنا من كان يقود السيارة ، وقد كنت أشعر بالنعاس ..
لم أغف أثناء القيادة طبعاً ، لكنني أعرف أن تصرفاتي كانت متأثره بإحساسي هذا .
كانت ردات فعلي أبطأ من المعتاد ، كما كانت أدرك في أعماقي أنني أقود بطيش ،
فقد زدت السرعة عند المنعطف ، مما جعلني اندفع مباشرة نحوه من الجهة الأخرى للطريق ..
وأنت لا علاقة لك بهذا الأمر ، كانت أعصابي متوترة ..فقد تشاجرت مع نويل ..
و .. آه ، حسناً ، لا داعي لذكر ذلك ، لكنه ذنبي أنا ، يا لويزا ولا ينبغي أن تلومي نفسك على الإطلاق .
لكنها بقيت تلوم نفسها ، وكانت لا تزال حين دخلت القسم ذاك المساء .
فلم تستطع الأبتسام لزميلتها ماري بيكر ، التي سألتها بإهتمام : ( ما بك ؟ لا تبدين على ما يرام )
كانت ماري امرأة متزوجه وأماً لولدين . وهي تعمل في المستشفى منذ خمسة عشر عاماً ، وتتميز بوجهها البشوش ، وطباعها اللينة ورقتها ولطفها .
وقد لمست لويزا ذلك من خلال تدريبها في هذا القسم ، حين كانت تلميذة جديد ة قلقة وعديمة الخبرة .
فأجابت لويزا بسرعة ، محاولة إخفاء كذبتها : ( أنا بخير ).
وبالرغم من لطف ماري ، كانت لويزا تشعر عندما تتعامل معها ،
وكأنها تلميذة ، فلا تستطيع الأفصاح لها عما في نفسها : ( إنه صداع بسيط فقط).
فقطبت ماري جبينها :
- هل تنامين كفاية ؟ لن أذكرك بضرورة أخذ قسط من الراحة لتتمكني من تأدية عملك ليلاً ، أليس كذلك ؟
فأجابت لويزا بعبوس :
- لا . فأنا أنام جيداً ، لا تقلقي . كيف كان نهاركم ؟ هل ثمة مرضى جدد ؟ هل خرج أحدهم ؟
لوت ماري شفتيها ، وأخذت تتلو التقرير اليومي مطلعة لويزا على أحوال كل مريض إلى أن وصلتا إلى أسم زكاري ويست ،
فقالت ( سيخرج قريباً ) .
فاتسعت عينا لويزا وسألت : ( يخرج ؟ ماذا تعنين ؟)
- سينقل إلى لندن ليحصل على عناية خاصة ، يبدو أن لدينا شخص شهير في قسمنا .
واتسعت ابتسامة ماري حين أضافت انهالت الاتصالات الهاتفية عليّ طوال اليوم من الصحافة .
الكل يسأل عن حالة ! أتصدقين أن بعضها أراد أن يزورنا ليلتقط له صوراً ؟
فأجبتهم أنه غائب عن الوعي ، ولا يبدو جميل الوجه حالياً .
لو كان واعياً لما رضي بالتقاط صورا له وهو بهذه الحالة لقد حضر بعضهم شخصياً فاضطررت لاستدعاء جورج
من الردهة لكي يخرجهم !)
فقالت لويزا بإلحاح ، غير مهتمه بأخبار الصحافة : ( لكن ..لماذا سيتركنا ؟)
فردت ماري بغيظ مكبوت :
- حسناً ، يبدو أن وكيله ..مدير أعماله ، أو مهما كان لقبه ..
يعتبر هذا المستشفى غير مؤهل لعلاج هذا الرجل الشهير .
لذا يريد نقله إلى مستشفى في لندن حيث يكثر أخصئيو الجلد والجراحة التجميلية .
أرادو نقله اليوم ، لكن جراحنا الدكتور هالوز رفض الأمر بعناد ، وأشار إلى أن حالته
لا تسمح بذلك . سيقرون غداً متى يمكن نقله ، بعد أن ينهي الدكتور هالوز جولته على المرضى .
وتملك الفزع لويزا : ( لا يمكنه تحمل هذه الرحلة ! سيتألم كثيراً ).
كان قد تلقى العناية اللازمة ، ويعطي الأدوية باستمرار ،
كي يجتاز هذه الأيام القليلة بأقل قدر ممكن من الألم . وقفت لويزا بجانبة تحدق في الوجه المتجهم
المروّع الذي سيظهر به أمام العالم في الأشهر القادمة ، حتى يصبح جاهزا للجراحة التجميلية .
بدا رجلاً جذاباً في الصور المنشورة في الصحف ، وما أفظع أن يبدو الآن بهذا الشكل .
لكنه قوي البنية ، وإلا لما نجا من ذلك الحادث ولما بدت عليه أولى علامات الشفاء يمكن للناظر إليه أن يلاحظ
بنيته القوية بوركية النحيفين وساقية الطويلتين وعضلاته الرياضية
ولحسن الحظ ، لم تنل النيران من جسمة كله ، ولم تصل الحروق البغيضة إلى ساقية .
بل نجتا من النار وحافظتا على لونهما الأسمر .
فتح جفنيه فجأة ، فوجدت نفسها تحدق في عينيه . كالفضة المصقولة اللامعه ، اتسع بؤبؤهما بسبب
الأدوية المهدئة التي تعطى له .
استعادت لويزا حسها المهني على الفور ، فانحنت تبتسم له وتطمئنه :
- مرحبا ، كيف حالك اليوم ؟
لم يحاول زاكاري ويست أن يجيب على الفور ، تذكرها بشكل مبهم فقطب حاجبيه المحروقين بألم .
إنها المرأة البيضاء الشاحبة الباردة التي رآها واقفه قرب سريره من قبل .
إلا أنه لم يكن واثقاً متى حصل ذلك.
أصبح الوقت بالنسبة له متاهه راح يبحث فيها عن طريق للخروج .
لم يكن يدري منذ متى وهو على هذه الحال ، وجل ما يعرفه أن ثوان قصيرة
مؤلمة تفصل بين نومه ويقظته .
لم كين يدرك مكانه وماحل به .بل كان الألم يترصد به وينهش جسمه .
وفي كل مرة كان يهرب من الوعي ليرتاح لأنه يعاني الأمرين في اليقظة .
وإن كان لا يذكر سبب الآمه . وتذكر فقط أن حياته توقفت فجأة حين كان يقود سيارته في الطريق .
وأصبح منذ تلك اللحظة فريسة للألم .
قالت المرأة : ( أنا الأخت جيلي ، وأنا أعتني بك ، يا سيد ويست ، كيف حالك؟)
كان لها صوت ناعم منخفض ، يفترض به أن يخفف عنه ، لكنه ازعجه . أتظنه طفلاً ؟)
إبتلع زاكاري ريقه ، ثم شعر بعطش شديد :
- أشرب ..حاول أن يتلفظ بهذه الكلمة من خلال شفتيه الجافتين ،
ولا بد أنها فهمت مراده ، إذ أدخلت بلطف انبوباً رقيقياً بين اسنانه ،
فأحس بالماء البارد في فمه ، وعندما روى ظمأه توقف عن الشرب ثم أغمض عينيه منهكاً .
سألته المرأة بغباء : ( هل تشعر بالألم ؟)
فتح ظاكاري عينيه ونظر إليها بازدراء : ( ماذا تعتقد ؟)
حملت نظراته هذا السؤال ، لكنه عاد وأغمض عينه ، ليستلم لأحلامه ،
كانت الفتاة في إنتظارة ، بشعرها الأسود المتطاير في الهواء ،
ووجهها الأبيض النقي ، وابتسامتها التي جعلت دمه يغلي . سبح زاكاري في الجو نحوها باسماً ، وقد تسارعت دقات قلبه.
عندما فحصه الجراح مرة أخرى ، في اليوم التالي ، كان زاكاري واعياً للمرة الأولى .
وتمكن دايفيد هالوز من التحدث إليه :
- يريد السيد (كورتني ) مدير أعمالك ، نقلك إلى مستشفى أخر في لندن حيث يوفر أخصائيون
في جراحة الجلد . لكنني لا أستطيع السماح لك بهذه الرحلة الطويلة ، بالرغم من تحسنك السريع والمستمر .
حدق زاكاري ويست فيه من دون إهتمام ، وقد تراخى جسده :
- فهمت .
لم يظهر أي إنزعاج لهذا الخبر ، فابتسم له دايفيد هالوز بمودة مشجعاًُ:
- سنمنحك العناية اللازمة ، يا سيد ويست، وسنحاول تأمين سبل الرحة لك .
قال زاكاري وقد صار صوته أكثر صفاء :
- كنت مخدراً بشكل منعني من ملاحظة ذلك .
فضحك دايفيد هالوز :
- حسناً ، نعم ، كان لا بد من ذلك في الأيام الأولى ، لمنعك من الحركة ، ولمواجهة تأثير الصدمة .
سننقّص حالياً كمية الدواء الذي نعطيك إياه ، إذ لا نريدك أن تتعود عليه .
وضحك مجدداً ، لكن زاكاري لم يفعل ، بل قال بإكتئاب : ( لن يحدث هذا ، فأنا أكره أن أفقد الوعي ).
- حسناً ، يسرني أن أراك على طريق الشفاء ، سأمر لرؤيتك غداً ، قبل موعدي المعتاد بقليل .
فغداً يوم السبت ، أدع لي أن أمضي عطلة نهاية الأسبوع بشكل هادئ ولو لمره واحده .
وضحك مجدداً ، فبدت في عيني زاكاري الرماديتين ومضة من المرح وهو يقول :
- سيكون الأمر صعباً عليّ في الوقت الحالي .
جاءت ردة فعل دايفيد قوية بعد سماعه هذه الكلمات ، ثم قال بإبتسامة عريضة تحمل شيئاً من الدهشة .
- نعم ، إنك على حق .
إذ لا يمكن لزاكاري أن يبسط يديه المحروقتين للدعاء .
وتحدث دايفيد مع لويزا ذلك المساء ، قائلاً لها :
- أكن إحتراماً كبيراً لذاك الرجل ، فهو شجاع وقوي الإراده للغاية .
عرفت رجالاً لم تكن حروقهم بالغة وخطيرة كحروقه ، ومع ذلك ملؤوا الدنيا ضجيجاً وصراخاً .
يظهر مزاحه في مثل هذها الوقت مزاياه الشخصية القوية ، لا أظنني سأتحلى بمثل شجاعته لو كنت مكانه .
وسكت برهة ثم تابع مقطباً : ( أعلم في الواقع أنني لن أكون كذلك !
فلو لحقت بي إصابته لملأتني رعباً .
وربما هذا هو السبب الكامن وراء تخصصي في جراحة الجلد .
أصيب أبي بحروق بالغة في إنفجار مواد كيماوية عندما كنت في العاشرة من العمر ، ولم أنس قط منظرة عندما رأيته بعد نحو أسبوع .
انتابتني الكوابيس لسنوات ، ولطالما حلمت بأنني ملفوف بتلك الضمادات .
حملقت لويزا فيه ، وقد أظلمت عيناها في ضوء مكتبها الخافت :
- مسكين يا دايفيد ، لا بد أن الأمر كان مخيفاً في مثل تلك السن المكبرة .
ضحك وقد أحمر وجهه ، ثم نهض هازاً كتفيه :
- نعم .. حسناً ، يجب أن أرحل ، سأذهب إلى بيتي الآن ،
لقد أرهقني العمل في غرفة العمليات ومن الأفضل أن أنام قليلاً .
إلى اللقاء غداً ، هل أنت متشوقه لذلك ؟
فأشرق وجه لويزا بإبتسامة وأجابت :
- آه ، نعم . لم أرقص منذ زمن طويل . وأنا أعشق الرقص ، سأشتري ثوباً جديداًَ غداً.
- لكي تخرجي معي ؟ هذا يزيدني غروراً .
ضحك وشع الدفء من ملامجه الجذابة ، بالرغم من أمارات التعب والأرهاق البادية على وجهه .
لم تستطع لويزا التفرغ للتسوق قبل عصر يوم السبت . وبما أن المتاجر الأنيقة في ( وبنيري ) تقتصر على متجر واحد .
لم تحتج لوقت طويل حتى تقرر ما تريده .
اختارت ثوباً رائعاً من الحرير القاتم الزرقه ، انسدل على جسمها ،
ليصل إلى أخمص قدميها ، وزينته ياقة من الدانتيل الناعم.
لفتتها تنورته التي تصدر حفيفاُ خافتاً كلما تحركت وتعلوها عند الخصر زهرة من قماش وردي اللون .
أحبت لويزا طراز هذا الثوب .
قالت البائعه :
- يشبه هذا الثوب أزياء العصر الفيكتوري ، أليس كذلك ؟
إن تسريحة شعرك كلاسيكية وتتلاءم معه . كانت النساء يجعدن شعرهن في ذلك العصر .
لكنني أظن أن هذه التسريحه تناسب الفتيات الشابات وليس السيدات اللاتي في سنك .
ضحكت لويزا من دون بهجة ، لم تبلغ الفتاة العشرين من عمرها لذا وجدت أن لويزا ، البالغة من العمر سبع وعشرين سنه .
مسنة ، والغريب أن كلماتها جعلت لويزا تشعر وكـأنها كبرت فجأة من دون أن تلحظ ذلك.
إنما لم تكن مسنة فعلاً ! فلم لا تجعد شعرها ؟
عندما عادت إلى بيتها ، غسلت شعرها ، وأمضت بعض الوقت في تجعيده على الطراز الفكتوري .
عندما أنتهت من أرتداء ملابسها ، وقفت أمام المرآة تتأمل نفسها وتعض على شفتيها .
بدت مختلفة في هذا الزي الجديد ! لقد غيرّ ، في الواقع ، مظهرها كلياً .
وإحمر وجهها ، إذ شعرت أنها سخيفة ، وأوشكت أن تعيد تسريح شعرها كما اعتادت أن تفعل ، لكن وصول دايفيد منعها من ذلك .
- لويزا ؟ يا الله ، كدت لا أعرفك ، شعرك ..
فتأوهت قائلة : ( يبدو غريباً ، أليس كذلك ؟ لا أعلم لماذا سرحته بهذا الشكل ! ولكن ..)
- لقد أعجبني جداً.
فنظرت إليه بحيرة ، وسألته : ( أحقاً ؟)
- إنه رائع ، ويتناسب مع هذا الثوب .
ثم نظر إليها بحرارة وأضاف : ( وهذا الثوب مغر للغاية ).
ضحكت ، واصطبغت وجنتاها بحمرة الخجل ، فابتسم دايفيد وقال لها وهو يضغط على أصابعها : ( حمرة الخجل مغرية أيضاً).
فقالت بإحتجاج وقد ازداد احمرار وجهها : ( لا تسخر مني ، يا دايفيد هالوز).
- بل أنا أعني ما أقول . عندما تحمرين خجلاً بهذا الشكل ، تبدين كاملة الأنوثة . فأحس بأنك تحتاجين إلى من يحميك ..
- في هذا العصر وهذا العمر ؟
- آه ، أعلم أن هذه أمور رجعية .. كفتح الباب للمرأة ، والوقوف حين تدخل إلى الغرفة ..لا بأس ، يبدو هذا مضحكاً في إيامناً .
لكنني رجل رجعي الطراز ، أحب الفرق بين الرجل والمرأة ، ولا أعلم لم عليّ أن أعتذر عن قناعاتي هذه .
ردت عليه باسمة : ( ولا أنا ) .
فقد أدركت من عملها الطويل معه أنه ليس فناناً ، وأنه لا يعامل المرأة كدمية ..
بل هو بعيد عن ذلك كل البعد ، فهو يعاملها باحترام كبير ومساواة تامة .
بادلها ابتسامتها معلقاً : ( هذا ما جذبني إليك أولاً ، أنوثتك ).
حدقت به مدهوشه ، إذ لم يصرح لها بهذا من قبل ، ولطالما تساءلت
عن سبب بقائه حتى الخامسة و الثلاثين من دون زواج ، فهو محبوب وذا شعبية بين الممرضات .
وقد خرج من قبل مع فتيات أخريات لكن علاقاته فشلت كلها .
فهل الساعات الطويلة التي يمضيها في العمل ، واهتمامه البالغ به ، عائق يقف بينه وبين أي
امرأة تربطة بها علاقة ؟ لكنه بدا الليلة مختلفاً ، ومميزاً في بذلة السهرة السوداء .
بدا نحيفاً للغاية . وأسبغ القميص الأبيض وربطة العنق السوداء عليه تألقاً لم يكن جلياً ، في الأيام العادية *
وسألها بمرح :
- هل تتأملين شكلي ، يا لويزا ؟ أم أنك نفرت مني عندما قلت إنني أحب الفتيتا اللواتي يتمتعن بالأنوثة ؟
فضحكت وهي تهز رأسها :
شدّ على يدها وجذبها نحوه محنياً رأسه ، فرفعت رأسها بحركة غريزية ، وشخصت إليه بنظرها .
عندها ، رن جرس الهاتف فجمدا مكانهما يتبادلان النظرات بغيظ ، قال دايفيد :
- لا تجيبي .
- تعلم أن عليّ ذلك ، لعله أبي .
لكن الأتصال لم يكن من أبيها ، بل من المستشفى ، فتنهدت واستدارت آسفة .
وقفت لويزا تنظر إليه ، ويدها تعبث بسترتها المخملية . ان كانوا
يستدعون دايفيد إلى المستشفى ، فلن تستطيع الذهاب إلى الحفلة .
وضع الشماعة مكانها ثم استدار نحوها ممتعضاً :
- قلت لك ألا تجيبي على الهاتف .
- لم أكن أعلم أنك الطبيب المناوب في المستشفى .
- لست كذلك ، لكن أحد مرضاي ينتظر إجراء عملية له منذ ثلاثة أيام.
يظنون أن حالته اساقرت الليلة . يطلبون مني أن أمرّ على المستشفى لألقي نظرة على المريض
وأوافق على إجراء تلك العملية .
- هل أنت من سيجريها .
- أظن ذلك .
- هل يعني هذا أننا لن نذهب إلى الحفلة ؟
- بل سنذهب ، لكن من الأفضل أن نمرّ بالمستشفى لنرى ذلك المريض
ونقرر .
- ربما من الأفضل أن تنتظروا حتى الغد ، على أي حال .
- هممم .. لكنه مريض مراوغ ،ولست واثقاً من أنه يحتمل المزيد
من الإنتظار ، لكنني سأرى .
عندما وصلا إلى المستشفى ، سألها دايفيد : ( هل ستنتظرينني هنا ؟)
لكنها هزت رأسها باسمة :
- ربما تأخرت دهراً ، سأدخل معك وأنتظر في قسمي ، سأحتسي فنجان قهوة مع الأخت ( جينكنز )
- لتتباهي بثوبك الجديد ؟
- ولم لا ؟
افترقا في المستشفى ، فسارت في الممر ، وابتسمت ابتسامة عريضة حين تفاجأت احدى الممرضات وهي تمرّ بجانبها .
كان تالأخت جنكنز في القسم ، تشرف على عمل ممرضة توزع أدوية المساء .
توجهت لويزا ناحيتها ، فنظرت الأخت جنكيز حولها ، ثم أخذت تحدق فيها ، وقد فغرت فاها :
- ألا يمكنك أن تبقي بعيدة عن القسم ؟
فضحكت لويزا : ( كان على دايفيد أن يرى أحد مرضاه ).
علقت الممرضة : ( ما أروع هذا الثوب !)
- شكراً ، هذه المرة الأولى التي أرتدية فيها .
فرددت الممرضة وهي ترفع نظرها إلى تسريحة شعر لويزا : ( إنه يناسبك تماماً).
فقالت الأخت جنكنز: ( لم أرك تصففين شعرك بهذا الشكل من قبل ).
- لم يسبق لي أن فعلت ، ولا أظنني سأفعل ذلك مجدداً.
فعلقت الممرضة : ( آه ، ولكنه جميل جداَ).
وأومأت الأخت جنكنز برأسها موافقه .
- لقد أعجبني أيضاً ، فأنت تبدين مختلفة .
شكرتهما لويزا وقد توردت وجهها قليلاً . ثم استدارت لتعود إلى
المكتب ، وإذ بصوت ضعيف يسمرها مكانها . نظرت إلى سرير زاكاري ويست .
فرأته يتحرك قليلاً . تقدمت نحوه ، وكانت عيناه مفتوحتين :
- هل ناديتنا يا سيد ويست .
راح يحدق فيها بصمت .
- ظنن أنني سمعت صوتك تنادي .
فأغمض عينيه دون أن يجيب ، ثم تمتم يحدث نفسه : ( أصبحت تتراءى لي الآن ).
انحنت لتسمع كلمات ، فسمعته يتمتم من بين شفتيه المتورمتين :
- هذا جنون ! سأجن ، فليساعدني الله .
فتح عينيه ثانية ، واضطرب حين رآها بقربة ، فإبتسمت له مواسية :
- هل أنت بحاجة لشيء ياسيد ويست ؟
فأجابها بنظرة عنيفة غاضبة وزمجر :
- ابتعدي عني ، بحق الله ، لا أستطيع أن أحتمل أكثر ..ابتعدي !
فوجئت بردة فعله هذه فأطاعته من دون أن تنبس بكلمة .
وسمع حفيف ثوبها وهي تسرع نحو المكتب .
تملكها الرعب حين رأت عينيها تغرورقان بالدموع ، وأخذت تتساءل عما يجري لها .
وهي تبحث عن منديل لتمسح به دموعها بغضب .
لا يستطيع هذا الرجل السيطرة على طباعه السيئة ، فهو مريض جداً !
وهو ليس أول مريض يهاجمها ، فلم البكاء ؟
أخذت تحضر القهوة كما طلبت منها الأخت جكنز لكنها لم تجد فرصة لتشربها .
فما أن عادت جنكنز إلى المكتب ، حتى رن جرس الهاتف ، ليصلها صوت دايفيد : ( هل أنت جاهزة ؟)
- نعم ، طبعاً كيف حال مريضك ؟
- مزال غير جاهز لإجراء العملية . سأراك في السيارة بعد دقيقتين !
وضعت السماعة ثم التفتت إلى زميلتها :
- آسفة ، يا هيلين ، لم يتأخر دايفيد بقدر ما كنت أتوقع ، إلى اللقاء فيما بعد .
- نعم ، أتمنى لك وقتاً ممتعاً ، إنما لا تتأخري في العودة !
خرجت لويزا من المكتب ، ووقفت لحظة تنظر إلى سرير زاكاري ويست .
يبدو أنه عاد إلى النوم ، تنهدت . ثم أسرعت نحو دايفيد .
أثار وصولهما معاً إلى حفلة المستشفى التي أقيمت في أفخم فندق في وينبري اهتمام وانتباه الجميع .
كانوا يعلمون أنهما يخرجان معاً ، ولكن حضورهما معاً إلى مثل هذا الحدث البالغ
الأهمية بدا كتأكيد للنوايا . واقترن بذلك اسمها بأسمه اجتماعياً ، واعترف بهما صديقين
تربطهما علاقة غرامية .
قالت لها إحدى صديقاتا أثناء الحفلة : ( عندما تختارين وصيفات عرسك ، لا تنسيني ) .
فردت لويزا بنفاد صبر :
- مهلاً ، يا جين ! لم يمض على بدء علاقتنا يوى بضعة أشهر ولا نفكر في الزواج حالياً.
فقالت جين ضاحكة : ( ربما يفكر هو في الأمر ، فقد لاحظت ظراته إليك ).
احمر وجه لويزا مما جعل الفتيات يغرقن في الضحك .
لم تكن المرة الأولى التي تستاء فيها من سهولة احمرار وجهها . وقد يرى دايفيد
في ذلك دليل أنوثة ، لكنها لعنة ودت لويزا التخلص منها .
أعادها دايفيد إلى المستشفى عند الساعة الواحدة والنصف بعد إنتهاء الحفلة .
وركن السيارة في ساحة المستشفى ثم سألها : ( هل استمتعت بالحفلة ؟)
فأومأت وقد تألقت عيناها : ( أمضيت وقتاً رائعاً ، يادايفيد ، شكراً لك .
ليتني لم أعد إلى العمل !).
بعد أن تناولا عشاءً فاخراً ، وضحكا وتسامرا مع الأصدقاء ، وبعد أن رقصت
مع دايفيد لساعات ، لم تعد ترغب بالعوده إلى رتابة العمل . رد دايفيد برقة :
- صدقيني ، لو لم يكن عليك العودة إلى العمل الليلة ، لتعرفنا إلى بعضنا البعض بشكل أفضل .
دفعت تلك الكلمات بالحمرة إلى وجنتها ، مما جعله يبتسم : ( ما أجملك يا لويزا !)
ومال نحوها يعانقها فأغمضت عينيها ، لكنها لسبب ما ، لم تتجاوب معه .
فابتعد عنها بالرغم من أنها لم تدفعه بعيداً.
رفع رأسه بعد قليل ، ونظر إليها بجفاء : ( اخترت لحظة غير مناسبة ، أليس كذلك؟)
- أسفة يا دايفيد ، لقد تغير مزاجي وحسب ، أظن أن السبب هو عودتي إلى العمل مباشرة .
فابستم لها مواسياً : ( لا بأس ، من الأفضل أن تسرعي إلى عملك ، تصبحين عللا خير يا لويزا )
استبدلت لويزا ملابسها بثياب العمل ، وسارت إلى سرير زاكاري ويست .
كان نائماً ، فوقفت تتأملة ، متمنيه لو تفهم هذا الأحساس الغريب الذي تملكها طوال السهرة ودفعها لرؤيته .
كان جسمها مع دايفيد فيما بقي عقلها هنا . مع هذا الرجل الغريب العدائي !
بعد لحظات ،تابعت جولتها على بقية المرضى ، وعادت إلى المكتب لتكمل عملها .
أخذت تنظر بين الفينه والأخرى إلى سرير زاكاري ويست وهي تتنهد وقد تملكها الإرتباك لمشاعرها هذه .
بقي زاكاري ويست في قسمها طوال الأسبوع التالي . وأظهر تحسناً مستمراً ، بانتظار أن يوافق دايفيد على نقله
إلى المستشفى في لندن .
تمنت لويزا لو يوافق ، فرحيل زاكاري عن القسم سيشعرها بالإرتياح .
ولكن ، هل هذا صحيح ؟ أرادته أن يرحل ، لكنها كانت تشعر بالإكتئاب كلما اقترب موعد قرار دايفيد .
كانت تأتي إلى العمل في المساء لتجد زاكاري ويست في سريره ، فتشعر بإرتياح يزعحها .
وبعد مرور أثني عشر يوماً على الحادث ، دخلت القسم ذات ليلة فوجدت مريضاً جديداً في سرير زاكاري ويست . لقد رحل !
وقفت لويزا تحدق في القسم ، وقد غمرها إحساس بالبرودة والفراغ .
لكنها ما لبثت أن انتفضت وسارت مبتعدة . أصبح بإمكانها الآن أن تعود إلى حياتها الطبيعية وان تنسى كل ما يتعلق بزاكاري ويست .

athenadelta 09-28-2012 05:49 PM

3 -اللقاء الأول

مضت أشهر قبل أن تسمع لويزا أخبار زكاري ويست من جديد.بالرغم من أنه خطر على بالها بين الحين و الآخر ، وخاصة حين لم تكن تتوقع ذلك.بدا و كأنه يختبئ في عقلها ليفاجئها و هي مشغولة تفكر في أمور أخرى.و في كل مرة شكل صدمة لها ، و زاد من اكتئابها.
لو أحبته ، لفهمت مشاعرها ، ولكنها لا تشعر حتى بالميول نحوه.لم يكن مريضا سهلا حسن السلوك و أدركت بغريزتها أنه عديم اللباقة و التهذيب و الاكتراث ، حتى و إن كان بصحة جيدة.اكتشفت هذا في صورته التي رأتها في الجريدة.لم يكن رجلا سهل المعشر لتحبه ، كما قرأت عنه و رأته في ملامحه في الصورة.
شعرت بضيق بالغ إذ لم تفهم سبب عدم تمكنها من نسيانه.
لم يأت أبوها على ذكره قط، أو على ذكر الحادث ، كما لم ترفع الدعوى إلى المحكمة بعد ،فقضايا الحوادث متراكمة في المحاكم.و فضل هاري جيلبي نسيان كل ما يتعلق بالحادث قبل أن يصله تبليغ المحكمة.وقد تفهمت لويزا دوافعه، وحذتحذوه.
كانت تقابل دايفيد كلما أتيحت لها الفرصة ، وهي نادرة نظرا لطبيعة عملهما، وقد فهمت السبب الكامن وراء عدم زواج دايفد حتى اليوم، فهو لا يجد الوقت لذلك! فالعمل سشغل باله ، حتى في أوقات فراغه.
و حين يعمل يلفه جو من التركيز الفرح يجعله غافلا عن كل ما يحيط به.
و على أي حال ، لم تكن لويزا تمانع، فعلاقتهما الهادئة المفعمة بالمودة أرضتها.و هي تلائمها بقدر ما تلائم دايفد، لم تكن تبحث عن علاقة حب عاصفة محمومة بل تنشد الرقة و التعقل اللذين وجدتهما عند دايفد.
زاد ذلك في استغلاابها لعجزها عن نبذ زاكاري ويست من ذهنها ، فهو لم يكن ذلك الرجل الهادئ المتعقل الذي تبحث عنه و تفضله.
كان بدائيا ، كالريح العاصفة... أو كالرعد الذي يلي البرق ، إذ لا يمكن التنبؤ به أو ضبطه. ولطالما خشيت لويزا العواصف الرعدية، و كرهت صوت الرياح العاصفة ، وكان زاكاري ويست يثير لديها المشاعر نفسها ، فيزعجها و يخيفها.
و قبيل عيد الميلاد ، اتصل بها أبوها عصر أحد الأيام ، بعج خلودها إلى النوم بوقت قصير.
- أرجو ألا أكون قد أيقظتك ، هل تعملين هذه الليلة؟ أم بإمكاننا تناول العشاء معا؟ لم أرك منذ وقت طويل و ينبغي أن نتحدث عن العيد يا لويزا ، ما هي مشاريعك؟
- سأعمل يوم العيد ، لكنني سأحصل على يومي إجازة فيما بعد.
لم تثر الموضوع مع أبيها إذ اشتبهت في أن نويل لا تريدها أن تمضي إجازة العيد معهما كما لم تشأ أن تحرج والدها.قال ببطء:
- حسنا ، متى يمكننا أن نجتمع كي نتباحث الموضوع؟
- الليلة، فأنا لا أعمل.
- ما رأيك بتناول العشاء في مطعم*شيريتري*؟
- اتفقنا.
كان المطعم من أحدث المطاعم في *وينبري* ، وقد ارتادته من قبل مع دايفد فأعجبها طعامه.
أضافت :
-لا يبعد المطعم عن بيتي سوى دقائق، ويمكنني أن أقصده سيرا على الأقدام.
- حسنا ، لن يكون هناك سوانا.
عنت كلماته أن نويل لن ترافقه و لم يدهش ذلك لويزا ، فقد كانت تعلم ان زوجة أبيها تتجنبها قدر الإمكان ، وشعرت بارتياح إذ أدركت أنها لن ترى نظرات نويل العدائية، فسألته بلهجة طبيعية:
- متى نلتقي، يا أبي ؟
- في السابعة و النصف.
- هذا عظيم، سأكون هناك.
لبست ثوبا من الصوف الأزرق طويل الكمين ، تزينه ياقة رياضية عالية، و ينسكب على جسدها مبرزا رشاقتها.
كان في انتظارها ، رجل نحيف في مثل طولها ، رياضي الجسم لحرصه على مزاولة الرياضة يوميا، لكنها لاحظت فجأة أن الشيب بدأ يدب إلى صدغيه.
ارتدى ملابس عصرية تتماشى و الموضة الشبابية ،و للوهلة الأولى يعتبره المرء شابا.لكن إن ا=أمعن النظر في ملامحه لرأت تحت تلك تلك ملابس الأنيقة العصرية جسم رجل في الخمسين من عمره.
خفق قلبها حزنا، لم عليه أن يجهد نفسه ليبقى شابا؟ إنه أبوها و هي تحبه للغاية و يؤلمها ان تراه يخوض معركة خاسرة بمثل هذه الضراوة.لم يكن الأمر يتعلق بملابسه و حسب ، إنما برغبته الملحة في عدم إظهار سنه الحقيقي.
طبع قبلة على خدها و قال:
- تبدين جميلة جدا يا عزيزتي.
- - شكرا ، وأنت تبدو بألف خير يا أبي.
و لم يكن هذا صحيحا.فقد ترك القلق و الا رهاق على وجهه آثار عميقة ،كما أظهر ذلك الحادث سنه الحقيقي.
- شكرا ا لويزا !
هل هو عادة، بمثل هذا التوتر، أم أن شيئا آخر قد حدث؟أحضر النادل قائمة الطعام فأخذ يقرآنها ، وبعد أن طلبا ما يريدان ، قال الأب:
- لويزا ما جعلني أتحدث معك عن ...العيد...حسنا ، الأمر هو...
- واحمر وجهه و لم يستطع رفع نظره نحوها ، وتصلب جسمها حين أدركت ما يريد قوله.فخرجت الكلمات من فمها بأسى و ألم:
- - ألا تريدني نويل أن امضي العيد معكما؟
- ليس الأمر بهذا الشكل ، يا حبيبتي!
فضحكت:
- آه ، فلنكن صادقين يا أبي، إن نويل تتمنى لو أتوارى من الوجود، وربما هذا ما علي فعله، فقد تصبح حياتك أسهل.
- - بل سيجعلني هذا تعسا، ما الذي تقولينه ، يا لويزا؟
فوضعت يدها فوق يده:
- آسفة يا أبي، إنس ما قلته و لا تقلق من أجلي.فعلي أن أعمل ، على أي حال، أنت تعرف كيف يكون الحال في الأعياد..إذ يزداد العمل.
- ما فائدة تصعيب الأمور عليه؟ لقد و قع في حب فتاة تصغره سنا و تزوجها ، وعليه أن يتحمل النتائج.فقد كانت نويل صارمة عديمة الشفقة رفضت أن تشاركه حبه لابنته التي قد تذكره بزوجته الأولى المتوفاة.أرادت أن تخرج لويزا من حياتهما ، وسعت لتنال مبتغاها ولم يستطع أبوها أن يقف في وجهها ، بسبب رقته المفرطة.أراد أن يعيش حياة راضية سعيدة دون مشاحنات و شجارات، فما إن تبدأ نويل شجارا حتى يدعها تفوز.
- و استمرت الدوامة فكلما أذعن لها ، كلما تمادت هي في قسوتها.تفهمت لويزا شعوره، فهذه طبيعته التي عرفت نويل كيف تستغلها.
- تنهد قائلا:
- - لطالما أمضينا أعيادا رائعة معا.
فردت بحسرة:
- نعم ، أليس كذلك؟
جلس الاثنان صامتين لفترة و جيزة ، قال هاري جيلبي بعدها :
- الحقيقة أن.أن نويل تريد تمضية العيد خارج البلاد ، في سويسرا ، فقد سمعت من بعض أصدقائها عن فندق رائع، سيقصدونه هم أيضا، ويمكننا هناك أن نمضي العيد ونمارس رياضة التزلج إذا ما تساقط الثلج.
فردت لويزا بصدق :
- ما أروع ذلك!
لقد أمضت مع أبيها إجازات رائعة في سويسرا أو في النمسا.و كانت تعشق المناظر الطبيعية الرائعة و رياضة التزلج.
- نعم لولا أنني أتمنى ان تكوني معنا...ولكن...
- في فرصة أخرى يا أبي.
واقترب النادل منهما باسما:
- المائدة جاهزة يا سيدس.
أثناء توجههما إلى المائدة ، غيرت لويزا الموضوع ، وأخذت تتحدث عن مريضة جديدة في قسمها و هي سيدة عجوز مستبدة حولت حيلتهم في القسم إلى جحيم.
لقد قالت للممرضة *أنيتا كارتر* :
^أموري الشخصية لا تعنيك يا فتاة، وأنا لن أجيب على أسئلتك المتطفلة هذه^
ردت عليها أنيتا:
^حسنا لن نجري لك العملية إلا بعد أن تجيبي على أسئلتي^ فكاد يغمى على السيدة *أيوت*
ضحك السيد جيلبي ، ورقت ملامحه:
- هل عمليتها خطرة؟
- أبدا عملية بسيطة، وستشفى بسرعة، فهي عجوز قوية البنية، ودايفد جراح لامع.
ألقى أبوها عليها نظرة سريعة متفحصة:
-هل العلاقة بينكما جادة يا حبيبتي؟ أنت و دايفد؟!
علت الحمرة وجهها..فضحك أبوها و أضاف:
- هل هذا يعني نعم أم لا؟
- - إنني مولعة به، لكننا لم نتحدث عن الزواج...إذا كان هذا ما تعنيه...ليس بعد.
- من منكما المتردد؟
طرح عليها السؤال هذا السؤال محاولا أنيجد الرد في ملامحها.كان واثقا من أن لويزا مغرمة، إذ لاحظ تغيرا فيها لكنه لم يستطع اكتشاف ماهية هذا التغير.لقد أمست زرقة عينيها أكثر عمقا، وأحاطت بفمها خطوط لا تخلو من الكآبة.
تملك هاري جيلبي شعور بالعداء نحو دايفد هالوزن وفكر في أنه سيقتله إذا ما تسبب لابنته بالشقاء لكن لويزا ضحكت بشيء من السخرية:
- نحن مشغولان جدا ،ولا نفكر في الموضوع.فمهنتنا تهمنا أكثر من أي شيء آخر حاليا.ربما سنفكر فيه يوما ما، إنما ليس الآن.
- - أعرف مدى اهتمامك بمهنتك، ولكن لا يمكننا الاستمرار في العمل و الزواج في الوقت نفسه، ألا تريدين أولادا؟ فأنت تحبين الأولاد،و أقسم أنك تريدين ذلك.
فقالت و قد عاد ذلك الخط الكئيب يرتسم حول فمها:
- هذا صحيح...و لكن...حسنا، لا أدري..لا يبدو لي الزواج و الإنجاب من الأولويات الآن، إذا فهمت ما اعني..
- لعل دايفد ليس الرجل المناسب لك.عندما ستقعين في غرام الرجل المناسب، ستشعرين بالرغبة في الزواج و إنشاء أسرة بأسرع ما يمكنك.
- آه يا أبي، هذا تفكير رجعي! إن النساء يعملن الآن، و يمكنهن رعاية أنفسهن، ولم يعدن بحاجة إلى رجل يهتم بأمورهن.
- لكنهن يحتجن إلى الحب.
ثم تنهد و تهجم وجهه، وأدركت لويزا و هي تنظر إليه بعطف أنه يفكر في نويل.جاء النادل يزيل الأطباق الفارغة ،فسألها والدها:
- و الآن ماذا تريدين للعيد يا لويزا؟
شعرت بالارتياح لسؤاله، وافترضت أنهما من الان فصاعدا يمكنهما أم يستمتعا بوقتهما و أن ينسيا مشاكلهما.لكن أثناء مغادرتها المطعم، قال لها أبوها فجأة:
- بالمناسبة لقد تلقيت بلاغا من المحكمة بشأن القضية.
استدارت تواجهه و قد شحب وجهها في ضوء مصباح الشارع:
- متى؟
- في أواخر كانون الثاني.
- لقد استغرق ذلك طويلا!
- إنها حماقة ،أليس ذلك؟
- لم يدعون الناس ينتظرون كل هذا الوقت، فيما الخوف من الآتي ينغص عليهم حياتهم؟
- نعم ، لقد وقع الحادث في الربيع الماضي.
فنظرت إليه بقلق:
- ما رأي محاميك في الأمر؟ماذا سيحصل؟
- قد أخسر رخصة القيادة نهائيا أو لسنتين أو ثلاث ، وقد أدفع غرامة ضخمة.فهو يقول إن التكهن صعب، والقرار يعود للمحكمة.
سكت و نظر في ساعته، ثم أضاف:
- سأسير معك إلى شقتك ثم أطلب سيارة أجرة إذا لم يكن لديك مانع.
- بالطبع لا.
و أخذا يسيران جنبا إلى جنب، ثم سألته فجأة:
- هل تطلب سيارة أجرة لتنقلاتك؟
- نعم،لم أقد السيارة منذ الحادث، ولا أعتقد أنني سأقودها من جديد.إن ضميري يؤنبني على إصابة ذلك الرجل الخطيرة، لقد دمرت حياته.
- ما أدراك، يا أبي! لعله خضع لعملية تجميل، وهو الآن على طريق الشفاء.إن حروقه أقل سوؤا من حروق أخرى سبق لي أن رأيتها.إن نسبتها عشرون في المائة فقط...
- ألا يكفيه هذا؟
- و لكنك لم تتعمد إصابته، إنه حادث.
لكنه لم يكن يصغي إليها و قد بدا الشجن في عينيه:
- كما أتلفت كل تلك اللوحات.إنه فنان شهير، وكانت تلك أفضل أعماله الأخيرة.لقد عمل عليها سنوات طويلة...و إذا بها تتبخر كلها فجأة! لا بد أنه يكرهني كرها شديدا.
- أنا واثقة من أنه لا يكرهك.و أنه يدرك أن ما جرى مجرد حادث!كفاك تعذيبا لنفسك!
أنت لا تفهمين، لا تعلمين...يا لويزا علي أن أخبرك بشيء...علي أن اخبر شخصا ما...فأنا لا أجرؤ على إخبار نويل، لأنها ستجن، إنني أرتجف كلما فكرت في ردة فعلها عندما تعلم ، وستعلم عند عرض القضية في المحكمة.
بدا عليه التوتر الشديد، فتأبطت لويزا ذراعه تطمئنه حتى وصلا إلى شقتها:
- أنا واثقة من أن الأمور ليست سيئة إلى هذا الحد.على أي حال، أدخل لنحتسي فنجانا من القهوة، وسنتحدث في الأمر.
أومأ برأسه موافقا ، و لاحظت أن هذا جل ما يحتاجه...إنه بحاجة لشخص يثق به و يتفهمه.تبعها إلى شقتها حيث شغلت جهاز التدفئة، لتضفي على الغرفة جوا مريحا.ثم دخلت المطبخ لتحضر القهوة، فيما راح أبوها يجول بنظره في أرجاء الغرفة.
عادت بالقهوة ووضعتها على طاولة صغيرة وسط الغرفة.
- اجلس يا أبي ، واشرب قهوتك.
أطاعها على الفور و جلس كصبي صغير،محيطا فنجانه بكفيه و كأنه يشعر ببرد شديد.
قالت مبتسمة:
- و الآن، اخبرني ما المشكلة
- لقد نسيت أن أجدد بويصلة التامين.
- ماذا؟
- انتهى تاريخ بويصلة التأمين.أردت إرسال شيك لتجديدها، لكنني كنت أنسى دوما.
- آه، يا إلهي.
شحب وجه لويزا، و ارتعدت فرائصها و قد أدركت معنى كلماته و النتائج المترتبة عليها.سمعت أبوها يقول:
•و إذا رأت المحكمة أني مسئول عن الحادث، سأضطر إلى دفع المبلغ كله بنفسي.
حملقت فيه من دون أن تنبس بكلمة، بينما أكمل عابسا:
- سيقاضيني زاكاري ويست ليجعلني أدفع كل قرش أملكه، يا لويزا!
- - أوه، يا أبي
- و إذا علمت نويل بذلك ستتركني.
- هذا مستحيل.
هتفت محتجة رغم أنها تعلم أنه قد يكون على صواب.فهي تعرف أن نويل تزوجته من اجل أمواله ، فإن فقدها تركته.
و سألته مقطبة الجبين:
لكن يفترض أن تمنحك المحكمة وقتا طويلا لتتمكن من الدفع.لن يرغموك على الدفع فورا.
- ربما، لكن.. لقد سبق و رهنت بيتي، إذ احتجت المال كي أنفق على شهر العسل..أرادت نويل أن تقوم برحلة حول العالم.كانت رحلة رائعة لكنها كلفت الكثير.ثم أرادت سيارة خاصة بها،و هذا منطقي، أليس كذلك ؟
نظرت إليه ساخرة من غير أن تنطق بكلمة واحدة، وتلاقت نظراتهما، فاحمر وجهه:
- حسنا إنها حساسة لأنها كانت سكرتيرتي، فأرادت أن تجعل الناس ينسون هذه الحقيقة.لذا اشترت ثيابا جديدة،و اضطرت لتغيير تلك السيارة القديمة التي كانت تقودها.
راحت لويزا تفكر في تلك الثياب الفاخرة التي ارتدتها نويل منذ زواجهما.كانت تجد لذة في إنفاق الأموال انتقاما من حياة الفقر التي عاشتها في الماضي.و لو كان أبوها فاحش الثراء لسره أن يمنح زوجته الجديدة كل ما تشتهيه.ولكن ليس من الصواب أن يستدين المال لكي تنفقه نويل بإسراف!أتراها تعرف ذلك؟
و تابع أبوها قائلا:
- كما أنني أنفقت المال على الشركة.فقد بنينا ملحقا للمصنع عندما عقدنا تلك الاتفاقية مع الشركة الاسبانية...كان علينا ذلك يا لويزا! كانت نويل على صواب حين قالت لي^ إما أن توسع و إما أن تصاب بالركود^.و هكذا رهنت المصنع لكي أسدد تلك النفقات كلها.
- وكم استدنت؟
سكت و هو يبتلع ريقه ثم اندفع قائلا:
- ربع مليون.
- أبي!
- أعرف.تصرفت بحماقة.
- كلا يا أبي،كنت قد وقعت في شباك الحب، ونويل رائعة الجمال.
فنظر إليها نظرة رضا:
- نعم، إنها كذلك.كما أنها ذكية.لديها أفكار لامعة بناءة في العمل...قالت إننا نتجه نحو الهاوية، وعلينا أن نغامر و إلا فقدنا كل شيء.و أظنها كانت على حق...لأني لم أعر العمل اهتماما منذ وفاة أمك.كان المصنع في حالى يرثى لها، كما لم نواكب تطورات العصر.ومنذ استلمت نويل الشركة، تغير الوضع.
- ولكن إن كان عليك أن تدفع لزاكاري ويست تعويضا ضخما فستثقل الديون كاهلك لسنوات عدة!
- بصراحة،لن أستطيع الدفع بوجود رهنين...إذ لا يمكنني استردادهما معا.و في سني هذا، لن أحصل إلا على قرض صغير المد، لمدة عشر سنوات، وبفائدة عالية.
اضطربت و هي تفكر بالفائدة المترتبة على مبلغ كهذا،
-ما قيمة المبلغ المتبقي من الدين؟
- لا زلنا في أول الطريق.و إن كان علي دفع مبلغ ضخم لزاكاري ويست، فسأخسر البيت...و ربما أعمالي.هذا وقف على قرار المحكمة و تقديرها للضرر الناتج عن الحادث، والمدة التي ستمنحني إياها لدفع المبلغ المطلوب.
حدقت لويزا فيه، والخوف باد على ملامحها:
- هل الأمر بهذا السوء؟ ولكن..شركتنا عريقة..لا بد أن المصرف سيمنحك قرضا كافيا لترتيب أمورك!
- هذا مستحيل، بعد رهنين.آه، لولا هذا الحادث،لسددت قيمة الرهنين من أرباح الشركة...كنا قد وسعنا أعمالنا..ووجهت نويل الشركة نحو مجالات جديدة جعلت الأرباح تتزايد.
ثم ألقى على لويزا نظرة متضرعة و أضاف:
- كانت على حق كما ترين!كنا بحاجة إلى حياة أفضل.لكن الحادث دمر كل ما بنيناه.
عندما رحل، جلست لويزا واجمة تحدق في الفراغ، وتسترجع الحديث الذي دار بينهما.لقد سبب ذلك الحادث دمارا يتعذر إصلاحه، والذنب ذنبها هي.
يأبى أبوها أن تعتبر الذنب ذنبها، لكنها تعلم أنها الحقيقة.لو لم تتصرف كطفلة مدللة!لو تستطيع أن تعوض عما تسببت به!ولكنها تفتقر إلى المال باستثناء مبلغ صغير وفرته من أجل إجازتها في السنة القادمة،مبلغ لن يغير الوضع.
و لم يكن زاكاري ويست كريما، أو متسامحا.و ارتجفت عندما تذكرت عينيه العدائيتين، ووجهه الذي شاهدته في تلك الصحيفة.إنه رجل صعب المراس،لكن إذا ما أدرك مدى الدمار الذي سيلحقه بحياة أبيها،هل سيقدم بعض التنازلات؟
لجأت إلى فراشها و قد تملكتها الكآبة.لكنها غطت في نوم عميق.وفي اليوم التالي، استفاقت باكرا و تناولت فطورها، ثم أخذت دليل الهاتف و بحثت عن رقم زاكاري ويست.
يمكنها أولا أن تتأكد من أن هناك زاكاري ويست واحدا فقط!وجدت عنوانه(كوخ الكابتن،طريق تيرتون.تيرتون).كانت تعرف القرية...فهي لا تبعد سوى نصف ساعة عن المدينة.لكنها رفعت سماعة الهاتف و طلبت رقم زاكاري من دون ان تمعن التفكير في الأمر.
استمر الرنين...و أوشكت لويزا أن تضع السماعة عندما سمعت صوت شخص ما يرد عليها بخشونة:
- نعم؟
فخق قلبها.إنه هو.لقد عرفن هذا الصوت العدائي.
أقفلت لويزا السماعة دون أن تجيب، بعد أن تأكدت من انه في الكوخ.
ارتدت سترة صوفية حمراء فوق كنزة بيضاء و بنطلون أسود.و خرجت إلى سيارتها التي اشترتها ذاك الصيف بدلا من قضائها الإجازة خارج البلاد.
بعد وقت قصير ،خلفت المدينة وراءها و سلكت طريقا ضيقا يحاذي البحر، وتمتد على الجهة الأخرى منه حقول لفها الضباب.
عبرت قرية "تيرتون" الهادئة في مل هذا الوقت من العام،و التي يرتادها السياح في الصيف.ووجدت كوخ زاكاري ويست بقرميده الأحمر،على بعد ميل تقريبا. كان الكوخ منفردا،تفصله عن الطريق حديقة مسيجة. و يقع على قمة تعلو خليج تتكسر عليه الأمواج.وعندما توقفت لويزا أمام البوابة
تخيلت الرياح الهوجاء التي تضربه في الليالي العاصفة.ما من منازل أخرى في الجوار، إنما حقول خضراء شاسعة ،ترعى في بعض منها الأغنام. ولا يمكن للمرء أن يتصور مكانا أكثر عزلة.قد يراه معظم الناس موحشا،لكنه يتماشى مع ما تتذكره من شخصية زاكاري ويست.
عدما غادرت لويزا سيارتها، زعقت غربان كانت جاثمة فوق شجرة، وطارت مرفرة بأجنحتها و كأنها مناديل سوداء ممزقة...و كأن في طيرانها نوع من الإنذار، إذ سمعت وقع خطوات على الممر القدم المبلط و برز زاكاري ويست محدقا نحو البوابة.
كانت لويزا قد فتحتها لتوها، فجمدت في مكانها تنظر إليه.وبادرها يصوت خشن ، والعبوس يعلو وجهه:
-من أنت ؟ وماذا تريدين؟
كانت الريح قد شعتت شعره الأسود الذي بدا خشنا و طويلا فأضفى عليه طابعا متوحشا.و لاحظت أنه خضع لعمليات تجميل، لكن بعض آثار الحادث لا زال باديا على وجهه.فقد تحول لون الجروح إلى الزرقة و أحاط بياض ممتقع بالبقع المشوهة.يبدو أن عمليات تجميلية أخرى ستجرى له، إذ تعلم أن الجراح الجيد لا يكثر من العمليات بل يمنح الجسم بعض الوقت ليصبح قادرا على مواجهة عملية أخرى.
لاحظت لويزا حالته بعين الممرضة، فقد اعتادت رؤية مثل هذه الوجوه.لكنها كانت تعلم أن الشخص الذي لم يعتد رؤية هذه المناظر سترعبه.
ربما ظن زاكاري ويست أن سكوتها عكس الرعب الذي تملكها من منظره.رمقها كالذئب الكاسر وقال:
- آه، ابتعدي من هنا!
و استدار مبتعدا عنها فتذكرت تلك الليلة التي زارته فيها في المستشفى و هي ترتدي ثوب السهرة.
تلك الليلة، ولسبب مجهول، تصاعدت الدموع إلى عينها حين طردها.أما اليوم، فجاءت ردة فعلها غريزية، غنما مختلفة.كان يعرف مظهره،و لهذا كره أن يراه الناس بهذا الشكل! أحست بألمه و كأنه ألمها هي،و تملكها العطف نحوه.فقالت بهدوء:
- ألا تتذكرني يا سيد ويست؟
استدار نحوها و اخذ يحدق فيها:
- وهل يفترض بي ذلك؟
كان السؤال مهينا و كذلك الطريقة التي تأملها بها ، لكنها لم تغضب أو يحمر وجهها.و اكتفت بالتحديق فيه بلطف و قد بانت الرصانة في عينيها الزرقاوين.
- أنا الممرضة جيبلي من "مستشفى وينبري".كنت ممرضتك لمدة أسبوع بعد الحادث.
ارتسمت القساوة على ملامحه، ثم هز كتفيه.و قال بصوت حازم:
- حقا؟ لا أتذكر الكثير عن تلك الفترة.
- كنت مريضا جدا.
- نعم، أتذكر ذلك.
كان صوته ساخرا متهكما، فتنهدت.لن يكون الحديث مع هذا الرجل سهلا.ما الذي جعلها تظن ذلك؟ما الذي أقنعها بأنه سيكون متسامحا و سيفهم وضع أبيها؟
عندئذ نظرت إلى عينيه، فرات كبرياءً غاضبة ترتسم فيهما مما جعلها تنسى قلقها للحظة.فقالت برقة:
-لقد تحسنت كثيرا.
ضحك و قد مال لون عينيه الرماديتين إلى سواد، ورد بغضب و مرارة:
-حقاً؟
خطى نحوها خطوتين واسعتين،ووقف أمامها، تنبهت لطوله الفارع وبنيته القوية.و لفت نظرها الكتفين العريضتين و العضلات القوية الساقين الطويلتين.
لم تكن لويزا طويلة القامة فوصل رأسها إلى مستوى كتفه.شعرت أنها ترتجف أمام قوته المتوعدة.رفعت بصرها إليه و تراجعت خطوة إلى الوراء ، وقالت:
- نعم..لقد تحسنت...
فكشر عن أسنانه البيضاء بما يشبه الابتسامة:
- تجدينني وسيما أليس كذلك؟ لكن عندما رأيتني للمرة الأولى جحظت عيناك، وكنت تلهثين من الإثارة، ولم تستطيعي التلفظ بكلمة واحدة.لقد صعقك جمالي.
أمسك بذراعيها، وأصابعه تشد على لحمها، أنت لويزا من اللم:
- سيد ويست... أرجوك...
لكنه لم يتراجع، بل امسك ها بقسوة:
- لا حاجة بك للتوسل...فسأعطيك ما تريدين!
رفعت بصرها إلى أعلى و قد اتسعت عيناها ذهولا و ترقبا، فضحك بسخرية غاضبة:
- يبدو أن صبرك قد نفذ.
عما يتحدث؟ و حاولت لويزا التملص منه فاشتدت قبضته حول ذراعيها، ثم جذبها نحوه بعنف فتلامس جسداهما.صدرت عنها شهقة خافتة و أخذت ترتجف حين عاتقها بقوة و أحست أن العالم قد غاب من حولها في لحظة امتدت إلى ما لا نهاية.
لم تغمض عينيها...بل أبقتهما مفتوحتين، و أحست بانفعال غريب لقربه منها.و يا له من شعور لم تختبره من قبل!
أخذ قلبها يخفق بقوة بين ضلوعها، وتصبب العرق من جسدها، وراحت تتنفس و كأن الهواء انقطع فجأة.
لم تختبر هذا الشعور من قبل، و لم نصدق ما يحدث.عناق واحد و إذا بقلبها يصبو إليه شوق غريب عجيب.

athenadelta 09-28-2012 05:57 PM

4- النظرات لا تقتل ..

كان يوم زاكاري سيئا فقد جافاه النوم معظم الليل . لكنه اعتاد ذلك . فهو غالبا ما يتجنب النوم مخافة ان تراوده الاحلام المزعجه مجددا . اذ ما انفك يسترجع حادثة الاصطدام مرارا وتكرار منذ حصولها . ويتذكر صدمته حين رأى السيارة الاخرى تنقض عليه لتصطدم بسيارته وتندلع النيران من حوله .
وتعمد استعادة ذكريات اخرى * كي يحول ذهنه * فاستلقى في سريره يفكر في الفتاه التي راها قبل الحادث * تلك الفتاه ذات الثوب الابيض في الحديقة عند الغروب * لم ينسها قط . وفي تلك الشهور الصعبة التي امضاها طريح الفراش .
كانت ذكراها تروح عنه في احلك الساعات * تمنى لو عثر عليها ولكن * منذ الحادث * اصبحت فكرة قيادة السيارة تملؤه رعبا * فاذا اراد الخروج طلب سيارة اجرة .
عندما يتغلب على مخاوفه سيخرج للبحث عنها . كان يعلم انه سيجدها يوما ما * كما كان يؤمن انها في انتظاره في مكان ما .
نهض باكرا في ذلك الصباح وحضر قهوته . شربها وهو يقف عند النافذه يتأمل شروق الشمس ويصغي الى صوت طيور النورس الحزين .
ثم قصد محترفه حيث كان البرد قارسا . اذ نسي تشغيل جهاز التدفئة المركزية . وراح ينظر الى القماشة التي ثبتها على المسند يوم عاد من المستشفى .
لم يكن عليها خط واحد لأنه لم يرسم منذ حصول الحادث . لكنه تظاهر بأنه استعاد قدرته على الرسم . وان الامور عادت الى نصابها * وان حياته عادت الى سابق عهدها .
اشاح بوجهه عن القماش العاري ثم اخذ يمزج الوانه بحركات بطيئة مدروسة .
التقط دفتر رسومه واخذ يتصفحه وكأنه يبحث عن منظر طبيعي ينقله الى القماش . كان بعض الرسوم قديما * وبعضها منته مليء بالتفاصيل * كرسمة عاصفة فوق البحر * وطيور النورس فوق حقل محروث والاشجار الجرداء والشمس تشرق من خلفها .
فيما كان البعض الاخر مجرد خطوط رسم بسرعه ومن ثم تركت.ولم ير ما يثير رغبته في الرسم .
التقط الفرشاة بغضب وقنوط وانكب على القماش ثائرا يغمسه باللون الاحمر حتى لم يعد يرى فيه بياضا.
ألقى بفرشاته لاهثا وسار الى النافذه بخطوات غير ثابته ثم فتحها ليتنشق هواء شهر كانون الاول البارد متأملا انفاسه التي استاحالت امامه ضبابا .
رأى عصفورا جاثما على غصن يراقبه فأخذ زاكاري يراقبه ايضا . اعتاد في ما مضى ان يأخذ دفتر ليرسم هذا المشهد * اما اليوم فاكتفى بالتحديق فيه * ثم اشاح بنظره عنه .
توجه الى المطبخ حيث حضركوبا اخر من القهوة فيما كان يرتشفه * رن جرس الهاتف فأجاب مكرها * بعد ان ساورته رغبته في تجاهله .
- نعم ؟
- هل ستحضر في الاسبوع القادم ام لا ؟
عرف هذا الصوت المتعجرف* صوت اخته فلورا . تعيش اخته الكبرى في فرنسا مع زوجها ايقز * وهو رجل صبور للغاية * حلو الحديث بحسب رأي زاكاري * والا لما احتمل الحياة مع فلورا المتسلطه منذ 10 سنوات .
واسرع زاكاري يقول:
- قلت لك ...
لكن فلورا لم تدعه ينهي حديثه كالعاده اذ اعتبرت ان فرق السن بينهما يسح لها بمقاطعته واعطائه النصائح والتدخل في حياته متى شاءت .
- لا يمكنك البقاء وحيدا ايام العيد ! فالبرد قارس في الكوخ . ولا اظنك تملك ما يكفي من الطعام في ذلك المكان . فالمتاجر تقفل ايام العطلات . ويفترض ان تمضي العيد مع اسرتك . فما معنى العيد من دون الاولاد ؟
فأجاب بكسل :
- هادئ مسالم .
- سأقطع لك تذكرة سفر الى مارسيليا. يمكنك ان تأخذها من مطار هيثرو في لندن . يفضل ان تأتي في الثالص والعشرون . اذا كنت ترغب في قضاء ليلة الميلاد معنا .
- لكنني لا ارغب في ذلك . لن اسافر يا فلورا . فلا تضعي نقودك على تذكرة سفر لن استعملها .
- والآن * اصغ اليّ * يا زاكا...
- لا يافلورا * لن اسافر .
اسكتهاصوته الغاضب لحظة فأكمل بصوت الطف :
- اسمعي اشكرك على دعوتك هذه * لكن مزاجي لا يسمح لي بأن ألعب دور الخال اللطيف اما سام وكلود ... سأفسد عليكم عيدكم وهذا ما لا اريده .عيدا سعيدا اذن * وبلغي تمنياتي الطيبه لزوجك واسرته وللطفلين وسأراكم ... .
قاطعته بسرعه قبل ان يقفل السماعه :
- ستمكث دانا مع ابويها * اخبرتها انك ستحضر . انها تتحق شوقا لرؤيتك من جديد * رغم قسوتك عندما حاولت ان تراك في الستشفى . انها فتاة طيبه. قالت انها تفهم السبب الذي جعلك لا تحتمل ان تراك حينذاك وهي مستعده لمنحك فرصة اخرى . لذا سأبدو غبية ان لم تحضر .
- فلورا * كفي عن التدخل في حياتي . هل لك ان تدعيني وشأني ؟
واقفل السماعه بعنف * ثم حمل فنجانه وسار الى محترفه ليطيل النظر مقطبا الى الصباغ الاحمر الذي لطخ به القماش . لقد عبر هذا اللون عن مزاجه افضل تعبير.
ها هي فلورا تحاول الجمع بينه وبين دانا مجددا . وتمنى لو تتوقف اخته عن التدخل في حياته . لكنها دأبت على هذا منذ مدة طويلة انها لم تفكر يوما في ما يريده هو . فهي تظن انها تعرف مصلحته * ولم تفهم بعد سبب قطع علاقته بدانا .
كانت شقراء خلابه مغنية ناجحه تكسب الكثير من المال . فأعجب الامر فلورا صاحبة التفكير العملي والتي ما فتأت تسأله :
- لما قطعت علاقتك بها ؟
لكن زاكاري لم يجب قط فهو لا يطلع اخته على اموره .
اما الحقيقه فهي ان شجارا عنيفا نشب بينه وبين دانا حين علم بعلاقاتها مع رجل اخر . فقطع علاقته بها نهائيا . ورفض رؤيتها مجددا .
لكن فلورا صممت على التدخل وبعد ان اجريت له اولى عملياته التجميليلة اتصلت دانا فزارته هذه الاخيرة في المستشفى .
حاولت ان تحافظ على رباطة جأشها عندما رأته للمرة الاولى * لكن زاكاري لاحظ الصدمه والرعب في عينيها حتى وهي تحاول الابتسام .
قالت له بصوت شجي :
- كيف حالك ياعزيزي المسكين . لقد جئت من قبل لكن فلورا قالت انك لا تستطيع رؤية احد بعد . حالما اتصلت بي لتقول ان بأمكاني الحضور * اسرعت لرؤيتك .
كان يحدق فيها وهي تثرثر لتخفي رعبها . لكنها لم تنجح سوى في تأكيده .
- يالها من غرفة صغيرة مريحه ..تبدو رائعا .. رائعا جدا. يا حبيبي . متى ستخرج من المستشفى بحسب رأيك؟
فقال واجما :
- ليس لدي ادنى فكرة. من الافضل ان ترحلي* يا دانا . ماكان على فلورا ان تطلب منك الحضور . لا اريد زوارا .
اسبغت شمس الخريف على شعرها وبشرتها هاله ذهبيه * وجعلت عينيها الخضراوين تتألقان . كانت قد ارتدت ملابس بسيطه * ثوب ازرق حريري قصير يكشف عن ساقيها الطويلتين اللتين اكتسبتا لونا اسمر خلاب من جراء تعرضهما للشمس . لكن جمالها لم يثر فيه أي شعور * فقد اكتشفت المرأة الحقيقيه في تلك الصدفه الجميلة * ولم يعد يبالي بها .
تجاهلت جفاءه وجلست على طرف سريره تبتسم له ابتسامة لعوب . اسبلت اهدابها المكحله فوق عينيها الخضراوين . وقالت بغنج :
- حبيبي * ألست مسرورا لرؤيتي ولو قليلا ؟ حتى انك لم تعانقني !
فشحب وجهه غضبا وصرخ بها :
- هل انت صماء ؟ اخرجي من هنا ! اخرجي عليك اللعنة اخرجي !
عند ذلك انفتح الباب واندفعت منه ممرضه قائلة :
- سيد ويست صوتك مسموع في ارجاء المستشفى كلها . ارجوك ان تكف عن الصراخ .
رد بحده :
- اخرجيها من هنا .
فما كان من دانا الا ان نزلت عن السرير وهربت مبتعده . وهي تتظاهر بالحزن وخيبة الامل . وعندما اقفل الباب خلفها * راح زاكاري يضحك من دون توقف .
فظنت الممرضه انه سيصاب بانهيار عصبي لذا استدعت الطبيب .
حين وصل هذا الاخير طمأنه زاكاري قائلا :
- لا تقلق يا دكتور . انا بخير . كل مافي الامر ان امرأة زارتني ولم استطع ان اتحمل قبلة ضفدع خشية الا يتحول الى امير احلامها الجميل .
علق على ما جرى مازحا ساخرا لكن ردة فعل دانا انطبعت في اعماقه وجعلته يدرك حقيقة مظهره.فزائراته من النساء اقتصرن على فلورا وبعض اقربائه . والممرضات اللاتي تدربن على عدم اظهار مشاعرهن ازاء اصابات كهذه . لقد عكست دانا مشاعر معظم النساء حيال شكله .
ربما هذا هو السبب الذي منعه من البحث عن فتاته ذات الرداء الابيض .. اذ خاف ان يتملكها الرعب من آثار الجروح والحروق في وجهه ان عثر عليها .
وليكف عن التفكير في ذلك . لبس كنزة وسترة قديمة وخرج الى الحديقة ليقطع الحطب .
بعد دقائق سمع صوت سيارة . وكان نادرا ما يزوره احد . اضطرب لهذه المقاطعه ولم يسره الامر . ثم توجه الى البوابه ليرى امرأة تقف امامها .
وقف يتأملها للحظة وتملكه شعور غريب بأن وجهها مألوف . لكن وبعد امعان النظر فيها لم يتذكر اين رآها من قبل . كان وجهها الرقيق الملامح شاحبا بعض الشيء
وقد ابرزت تقاطيعه تسريحه شعرها المشدود الى الخلف .
كان اخر زائر للكوخ صحافيا يسعى وراء قصة يكتبها . لكن زاكاري طرده واكد له انه سيدق عنقه ان عاد مجددا .
اترى هذه المرآة صحافيه * هي ايضا ؟ اخذ يتسائءل عن ذلك وهو مقطب الجبين :
- من انت ؟ ماذا تريدين ؟
لم يحاول اخفاء ضيقه وعدائيته وهو يطرح اسئلته عليها .
وعندما ذكرت انها ممرضة من مستشفى ونبري. ادرك فجأه انه تذكرها رغم مرور الايام وقصر المدة التي امضاها هناك .
لم يحبها عندما كان في المستشفى فقد كانت بارده رسمية المظهر.
وكانت ملابس التمريض التي ترتديها تصدر صوتا مزعجا حين تنتقل في القسم . كان يكره هذا النوع من النساء * فهي متسلطه كأخته مشغوله دوما * منظمة .
وقد دأبت دوما على التحدث اليه بصوت يرتفع وينخفض مهدئا مسترضيا وكأنه طفل يتدلل * فيما عيناها تعكسان الاسى الذي يعتصرها .
وما كان زاكاري ليحتمل ذلك . فهو يرفض شفقة الناس * ويفضل ان يهينهم . او يمنعهم من الاشفاق عليه على الاقل .
لهذا تظاهر بالاعتقاد بأنها جاءت لتراه لفرط جاذبيته . مع انه يعلم ان الانجذاب هو طبعا اخر ما تشعر به . وقد ادرك ذلك من نظراتها التي رمقتها به .
اذ عكست عينيها مشاعر لا يمكن ان تفسر سوى الرعب . لابد انها اعتقدت ان وجهه اصبح طبيعيا تقريبا بعد عمليات التجميل الباهضة التكاليف التي خضع لها
لكن زاكاري كان يعلم ان الحقيقة خلاف ذلك . فقد اعلمه الجراح انه يحتاج لعمليات اخرى كي يعود مظهره كما كان نسبيا .
وهكذا سخر منها وامسك بها يعانقها . فتهاوى جسمها وسقطت جاثمة على ركبتيها فما كان منه الا ان هرع يحضر لها شرابا ينعشها .
وعندما عاد وجدها قد تمالكت نفسها وتوهج وجهها احمرارا من شدة الارتباك .
- آسفه * ماذا ستظن بي ؟ لا ادري ما الذي حدث لي ...
فقال باختصار * وهو يضع الشراب بين يديها :
- ا كان علي ان اعانقك .
راحت تنظر الى الشراب وكأنه سم . لإامسك بمعصمها وارغمها على رفع الكأس الى شفتيها .
ابتلعت جرعه بالرغم عنها وهي ترتجف . فترك زاكاري يدها * وجذب كرسيا جلس عليه قبالتها :
- والآن * ماذا تريدين يا سيدتي ؟
- اسمي جيلبي.. وانا .. ابي هو هاري جيلبي .
سكتت ورفعت نظرها اليه وكأنها تتوقع منه ان يبدي ردة فعل لذكر اسم ابيها . لكن زاكاري نظر اليها من دون ان يرف طرفه.
- هل سبق وتعرفت اليه من قبل ؟ آسف * ولكن ...
- كان ابي في السيارة الاخرى .
مضت لحظة لم يكن متاكدا فيها مما تعنيه * فحدق فيها مقطبا جبينه .
- السيارة الاخرى ؟
نظرت في عينيه بثبات عندما بدأت الحقيقه تتجلى له . ثم أومأت برأسها .
فقال بصوت اجش :
- هو ... هل كان هو ... السائق الاخر ؟
عادت تومئ برأسها * وقد شحب وجهها .
واطلق زاكاري سيلا من الشتائم * فاضطربت قائلة :
- لم يكن ذلك من طبعه يا سيد ويست . لم يكن غافيا وليس سائقا متهورا . لقد كان .. كان يعاني من توتر هالو.. انا لا احاول اختلاق اعذار له * ولكن ... .
- ان لم تكن هذه اعذارا فما هي اذن ؟
ورأها تعض شفتها السفلى * فتنبه لشكل فمها الكبير وشفتها السفلى الممتلئة التي تتناقض مع تسريحة شعرها المتزمته وسلوكها المحافظ .
- اردت فقط ان اوضح لك الامر * كي اجعلك تفهم سبب ما حدث .
- هل كنت في السيارة معه ؟
- يا ليتني كنت * والا لما حدث ما حدث .
- كان يتقدم نحوي بسرعه جنونيه عند المنعطف * فلم لم اتمكن من تجنبه ... هل اخبرك بهذا ؟
- نغم لقد اخبرني . انه يلوم نفسه على ما حصل ويكاد الندم يقتله صدقني !
- عظيم ! هل اصيب هو ايضا ؟
- قليلا ...
- ماذا يعني هذا بالضبط ؟
فهمست :
- رضوض وصدمه .
- وكم مكث في المستشفى ؟
فأجابت مكرهة :
- ليلة واحده .
- منذ ذلك الحين وانا اتردد الى المستشفى .
- اعلم ذلك . وانا اسفه جدا لما حدث لك . يا سيد ويست . وكذلك ابي . ارجو ان تصدقني * انه يدرك سوء فعلته وهذا يثقل عليه للغاية .
واكمل قائلا :
- لماذا جت * على اية حال ؟ وماذا تريدين ؟
وقفت بدورها ووضعت كأس العصير على المنضده بجانبها :
- جأت اتضرع اليك ... اعلم ان اللوم يقع على ابي * وهو لا يعترف بذلك ولكنك .. ستشفى تماما يا سيد ويست * صدقني . لدي خبرة واسعه في هذا المجال . بالرغم من ان التحسن بطئ الا انك ستعود في النهاية كما كنت .
- لن يكون وجهي طبيعيا ابدا .
بل زاكاري ذروته . ورفع قبضته وكأنه يهم بضربها . سكتت قليلا مقطبة ثم قالت بصوت بطئ جاد :
- انت مخطئ . يمكنني ان افهم السبب ولكنك مخطئ يا سيد ويست . سيستغرق الامر سنه او نحو ذلك * لكن الجراحه التجميلية تقوم بالمعجزات * لا سيما ان كنت بين يدي اخصائي لامع * وانا اعلم انك كذلك . انه جراح ممتاز ذائع الصيت في البلاد .
- ومع ذلك لم يزعم انه سيتمكن من ان يعيد الي وجهي كما كان !
وضحك زاكاري فجأة حين تذكر دانا * واضاف :
- كان يجب ان تري وجه اخر صديقه لي حين زارتني بعد عمليتي الاخيرة ! ظننت انه سيغمى عليها .
اضطربت لويزا وازداد شحوبها وهي تحدق فيه بثبات :
- انا واثقه من انها كانت قلقه عليك بوحسب . انا لا انكر ان العلاج سيكون بطيئا لكنني اؤكد لك انك مع الوقت ستستعيد وجهك القديم .
- لا تكذبي عليّ. انا اعرف ما اراه في المرآة فبشاعتي لا تضاهى * وسأبقى هكذا الى الابد . لن يغمى على امرأة حين تراني الا رعبا كما حدث لك .
احمر وجهها وحولت نظراتها عنه :
- انا لم ...
- بلى . فقد توهج وجهك حين عانقتك فاضطررت لحملك الى هنا .
- لم يكن هذا بسبب ...
ضحك زاكاري غاضبا * وقال :
- بل كان * فلا تزعجي نفسك بالتظاهر بالعكس . انني اعرف سبب اغمائك .
اسبلت اهدابها وتوقفت عن الاجتجاج واخذ ينظر اليها بسخرية.
ليقول اخيرا بايجاز :
- انا لا الومك * فأنا اتأمل وجهي في المرأة يوميا . ويمكنني ان اتفهم سبب شعورك بالغثيان حين لمستك.
فانفجرت قائلة :
- لا .
ورفعت نحوه عينين يفيض منهما كدر وأسى واضحين لم يستطع الشك في صدقهما :
- ارجو صدقني . لم يكن ذلك شعوري * على الاطلاق .
تعب زاكاري من هذا الحديث . فهو يفضل نسيان ماحدث له . وكان يحاول جاهدا ان يستعيد حياته الطبيعية ز وهكذا قال بصبر فارغ :
- لا بأس فلتنس ذلك . ولنعد الى حضورك * والذي تريدينه مني * يا اخت جيلبي؟
- انا لست واثقة من ...
وتلعثمت ثم تنهدت :
- هل اخبرك محاميك ... هل تعلم ... ؟
- تكلمي *هيا .
- نسي ابي ان يجدد بوليصة التأمين ضد الحوادث .
حدق فيها غير مصدق . لقد امضى في المستشفى فترة طويلة ترك اثناءها تفاصيل الاجراءات القضائية لمحاميه . ورفض ان يناقش الامر معه بل اكتفى برواية ما حدث . لذا لم يعلم ان تأمين هاري جيلبي لا يغطي الحادث .
فرد قائلا :
- انك تمزحين !
هزت رأسها لكنها بقيت عاجزة عن النطق .
- حدق زاكاري في عينيها * في البحيرتين الزرقاوين العميقتين * لم يسبق له ان ان رأى عينين بمثل هذه الزرقة * وقد زاد من تألق لونهما شحوب وجهها . زرقة قاتمة على بياض ... ولطالما عشق التناقض .
ثم اخذ يفكر في ان شحوب وجهها طبيعي وقلقها مبرر* وان لا عجب في انها هنا تتوسل اليه ! أي نوع من الرجال هو ابوها ؟ ولماذا ارسلها تتضرع اليه بدلا من ان يحضر هو شخصيا * او يرسل محاميه ؟
وقال بصوت مرتفع :
- ما الذي جعله عديم المسؤولية بهذا الشكل ؟
ابتلعت ريقها وبدا التشنج على عنقها الطويل الناصع البياض .
- كان متوترا للغاية وما زال .. فهو يعاني من صعوبات ماليه لم يجب مخرجا لها * لذا نسي ان يجدد بوليصة التأمين . كان ينوي ذلك ولكن ... اعلم ان هذا غباء * ولكن ....
- الغباء ليس عذرا !
- انا لا اطلب منك ان تعفيه ...
- هذا حسن لأنني لن افعل . ولمَ افعل ؟
اشاحت بوجهها عنه ولاحظ عينيها المغرورقتين بالدموع .
- ستتحطم حياته اذا ما اضطر للدفع على الفور . ان بيته مرهون وكذلك مصنعه ... وليس لديه اوال في حسابه المصرفي . سيتوجب عليه بيع بيته وربما شركته ايضا . ان حكمت لك المحكمة بتعويض ضخم .
- هذه مشكله لا تعنيني * بل تعنيه هو ! كما ان الحادث ذنبه * وكذلك نتائجه .
وحدق فيها ثم اكمل كلامه ساخرا :
- لابد انك ساذجه جدا او متفائلة جدا ! فإن جئت راجيه ان اتنازل عن حقي في التعويض لمجرد انك رويت لي قصه حزينه عن تحطم حياة ابيك ...!
- ظننت فقط ان ...
فقاطعها بصوت حازم :
- لا يهمني سوى حياتي انا * وقد دمرها ابوك في الربيع الماضي .
فرخت بصوت معذب :
- اعرف مقدار سوء اصابتك * ولكنك ستشفى وبعد سنه ستعود الى ماكنت عليه .
- واكون قد خسرت سنوات من عمري ! فقد دمر ذلك الحادث العمل الذي امضيت سنوات في انجازه . كما عانيت الآم مبرحه منذ ذلك الحين * ولن تنتهي عاناتي قبل وقت طويل . حتى انني لم اعد قادرا على العمل . فأنا لم ارسم شيئا منذ الحادث . حاولت جاهدا الرسم لكن يبدو ان الحادث قتل حافزي * وفي كل مرة امسك الفرشاة اشعر وكأن يديمنفصله عن ذهني ... هل لديك ادنى فكرة عن هذا الشعور ؟ فعدم القدرة على الرسم يعني بالنسبة لي * الشلل * بل الموت .
كانت تصغي اليه وكأنها استحالت حجرا * اما هو فكان الشرر يتطاير من عينيه . فكل هذا الاستياء والغضب كان يغلي في داخله منذ الحادث * وقد شعر بالارتياح الغريب حين تمكن من الافصاح عنه .
هذه الفتاة غير مسؤولة عما حدث له * بل تقع المسؤولية على ابوها .ويبدو انها تشعر ان اباها قد تأذى * هو ايضا من الحادثه مما جعل زاكاري يجن .
- لا تطلبي مني ان اشعر بالاسى من اجل ابيك ! لو كنت قديسا لأمكنني ذلك لا أدعي انني قديس . عندما ترفع القضية الى المحكمة يتقرر التعويض وفقا للبراهين . وعلى ابيك ان يتحمل قرار المحكمة .
- ولكن لو انك فقط ...
فثار زاكاري مجددا وقال ساخرا :
- هل تظنين حقا ان بأمكانك اقناعي باسقاط حقي في التعويض ؟
ولمعت عيناه حين خطرت بباله فكرة اخرى * فأضاف :
- ام لعلك جئت تقديم لي بديلا عن المال ؟
نظرت اليه وكانها لم تفهمه * وقد بدا في عينيها الزرقاوين الارتباك .
اخذ زاكاري يضحك وراحت عيناه تجولان على مفاتن جسمها وساقيها الرشيقتين في البنطلون الاسود الضيق * وظهر في عينيه تقدير واهتمام واضحين .
فهمت مراده فاحمر وجهها * واخذت تتنفس بصعوبة فابتسم لها ساخرا ثم قال ببطء :
- آسف ولكنك لست النوع الذي افضله . فأنا افضل الشقراوات الفاتنات . انت نحيلة جدا * ولا اظنك تملكين الخبرة الكافية .
اشتدت حمرة وجهها * ورمقته بنظرات حانقه . ولو امكن للنظر ان يقتل لسقط صريعا عند قدميها في الحال * اخذ يفكر في هذا متشفيا * واذا به يتساءل عما افقده اعصابه الى هذا الحد * فجعله يرغب في تعنيفها ؟
فالذنب في ما حدث لم يكن ذنبها على أي حال ! ما الذي جعله يقدم على فعل هذا ؟ ما من داع لإهانة هذه الفتاة لمجرد ان اباها سبب الحادث .
اقدم على هذا فقط لنه شعر بوخزة اهتمام حين اخذ يتأمل جمالها * هذا هو السبب* لقد كذب حين قال انها ليست النوع الذي يفضله *اذ ليس لديه نوع معين يفضله . كان يحب النساء وحسب .
ويمكن لهذه المرأة ان تصبح المفضله لديه * لكنها قد تفضل الموت على ذلك . لقد اغمى عليها عندما عانقها . ولو ادركت انه يشعر بميل نحوها لركذت من دون توقف ومن دون ان تلتفت الى الوراء حتى تضع بينهما مسافة طويلة.
غمغمت تقول باضطراب :
- لم اعرض عليك أي شيء من هذا النوع .
فضحك بمرارة :
- احقا .
-اردت فقط ان اقترح ... حسنا * ترتيبا بيننا ....
- بيننا ؟ وما نوع الترتيب الذي تعرضينه ؟ ام عليّ استعمال مخيلتي ؟
ونظر اليها من جديد مقيما * فردت عليه تلك العينان الزرقاوان بشرر ناري . يالها من سيدة صغيرة متزنة * حسنة السلوك ! هل لهذا اختارت التمريض ؟ هل الملابس الشبيهة بلباس الراهبات تناسبها اكثر ؟
ردت وقد احمر وجهها :
- لا بل هو بينك وابي . لو سمحت له بدفع التعويض على مراحل * لن يخسر بيته وشركته .
كان في صوتها توتر ولهفة جعلا زاكاري يشعر بشيء من العطف نحوها فقال :
- لا تخافي . انا واثق من ان المحكمة ستحكم بما يتماشى ووضعه .
- احقا ؟
لكن لم يبد في عينيها الاطمئنان .
فأضاف بمزيد من الرقة :
- تأخذ المحكمة وضع الناس في الحسبان عندما تقرر قيمة التعويض * ولا شك انها لن تدفعه الى بيع بيته .
فقالت بقنوط:
- ربما لكنك لا تفهم الوضع ... فهو مدين بمبالغ ضخمة * ما يجعله غير قادر على دفع مبلغ كبير لك ايضا و ... .
سكتت وقد تاهت نظراتها ثم اندفعت تقول :
- ويخاف ان تهجره زوجته . ان هي اكتشفت افلاسه .
فقال ساخطا :
- اذا كان مثقلا بالذنوب فهذا ليس ذنبي !
- هذا صحيح . ولكن اذا انتظرت سنة واحده قبل ان تقبض أي تعويض تقضي به المحكمة * فهناك امل كبير في الا تكتشف زوجته الحقيقة . انه واثق من ان ارباحه ستتضاعف خلال سنتين * من ثم سيصبح في امكانه ان يدفع لك تدريجيا .
- ويفترض بي ان انتظر ؟
فألقت عليه نظرة تعيسه متردده :
- هل سيكون ذلك صعبا جدا عليك ؟ هل احوالك المادية صعبة * انت ايضا ؟
- انا لا اموت جوعا . اخبريني * هل انا على صواب في تكهني بأن زوجة ابيك ليست امك ؟
- نعم لقد ماتت امي منذ سنوات .
- متى تزوج ابيك ؟
- بعد وفاتها بعامين .بدت في عينيه الرماديتين نظرة مازحة :
- وانت لا تحبين زوجة ابيك ؟
- نحن غير منسجمتين .
نظر اليها نظرة فضول وبشيء من العداء. هذا هو الوجه الذي يذكره بإقامته القصيرة في المستشفى حيث تعمل . لقد استيقظ في احدى الليالي فرأى ذاك الوجه الابيض البارد قرب سريره *
وتلك العينين الزرقاوين الجامدتين والشعر الرفوع الى الوراء . رأى هذا المظهر الذي الذي يجعلها اشبه براهبة .لقد كرهها حينذاك من النظرة الاولى . لكنها تبدو اليوم مختلفه * وهي ترتدي هذه السترة الحمراء والكنزة البيضاء التي تلتصق بجسمها وتجعلها تبدو في غاية الانوثة .
- لم لا تحبينها ؟
فردت مدافعه عن نفسها :
- هي لاتحبني .فأبتسم وسأل :
- ولكن من البادئ * انت ام هي ؟
استطاع ان يتخيل الجفاء الذي قابلت به تلك المتطفلة . اذ لا شك ان ابها اصبح مقربا منها . منذ وفاة امها . فقد جمع بينهما الحزن * ولابد انها صدمت حين نسي ابوها حزنه وعثر على امرأة اخرى . كيف امكنه ذلك ؟
لقد طرحت هذا السؤال على نفسها مرارا وتكرارا من دون شك . اذ يفترض ان يتملك ابوها الشوق والحنين الى امها الى الابد . لا ان يتزوج امراة اخرى بعد سنتين .
اجابت وقد توتر فكها من الغضب :
- كان يمكن ان احبها لو لم تظهر بوضوح ان وجودي في البيت غير مرغوب فيه ! لم تشأ ان يرانا الناس معا . اذ قد يظنون انها اختي * فهي تكبرني بحوالي سنتين فقط .
- احقا ؟ كم يبلغ ابوك من العمر ؟
- خمسون سنة . وكان وامي صغيري السن عندما توزجا .
- وكم يبلغ عمر زوجة ابيك ؟
ستبلغ الـ30 في عيد ميلادها القادم .
اومأ وهو ينظر اليها مفكرا :
- وانت 28 ؟
- 27 .
فقال بدهشة واستغراب :
- تبدين اصغر سنا .
اذ كان يظن انها لم تتجاوز الـ25 من عمرها .
وااض بجفاء :
- لابد انه المظهر العذري .
علت حمرة الخجل وجهها فعلق ساخرا :
- العذرية ليست كلمة بذيئة كما تعلمين .
- جعلتها تبدو كذلك .
فضحك واخذ يتأمل وجهها الجميل وخصرها النحيف وساقيها الرشيقتين .
- انت حساسه جدا ازاء هذا الموضوع .
ثم سألها فجأة :
- هل انت كذلك ؟
اضطربت لسؤاله واستفهمت :
- ماذا ؟
فقال برصانه
- عذراء .
تلعثمت وقد احمرت غضبا :
- انا .... انا .... انا لن اجيب على سؤال كهذا !
- لدي شعور بأنك كذلك .
قالت له متوعده :
- اذا كنت ستتفوه بنكات حمقاء فسأذهب .
- اخبريني المزيد عن زوجة ابيك .
استدارت مسرعه نحو الباب فصاح بها :
- لم تحصلي على جوابي بعد .
فنظرت اليه ببروده :
- حصلت انت على التسلية * يا سيد ويست . وانا لن ابقى هنا لأكون هدفا لمزاحك وظرفك .
- لقد قضى الحادث على روح النكته عندي .
وهز كتفيه رافضا ان يقدم اعتذارا صريحا .
فقالت وقد بدأ التوتر على فمها الشاحب :
- هذا ما لاحظته .
- لكنني مستعد للتحدث مع ابيك بشأن الترتيبات كي لا يخسر بيته او عمله او زوجته .
خطت نحوه وقد انفجرت شفتاها عن شهقة وتألق وجهها بلهفة عارمة :
- احقا ؟ ألأست تسخر مني مجددا ؟
- بل انا جاد * انما بشرط واد .
توترت وعاد الحذر الى عينيها :
- ماهو شرطك ؟
- ان تسكني معي هنا * طوال المدة التي احددها .

athenadelta 09-29-2012 10:02 AM

5 - جرح آخر

شعرت لويزا وكأنها تلقت صفعة ، فشحب وجهها غضباً .
وقالت : ( كان عليّ أن أتمتع بحكمة أكبر وألا أصغي إليك .
هل تشعر بتحسن إن تصرفت بهذا الشكل البغيض ؟
أنا آسفة لأجلك . ولا أريد أن أكون مثلك ولو للحظة واحدة، ليس فقط بسبب ما عانيته.
بل بسبب الضرر الذي لحق بعقلك.
لم تنتظر جوابه ، بل استدارت وأسرعت تغادر الكوخ .
كان ضباب الصباح قد انجلى وأصبحت الرؤية أوضح ..
فرأت الحقول الممتدة من جهة ، وبحر الشمال الرمادي اللون من جهة أخرى .
وما أن فتحت سيارتها ، حتى خرج زاكاري ويست ووقف عند باب الكوخ .
راح الهواء يشعث شعره القاتم الكث ، فغطى وجهه المشوة .
رفع شعره عن وجهه ، وناداها قائلاً : ( إن عرضي جاد . إذا قررت قبوله .
أعلميني بذلك قبل وصول القضية إلى المحكمة . بعد ذلك يكون الآوان قد فات ) .
تجاهلته وركبت سيارتها لتبتعد عنه . لكن الخوف والتوتر اللذين تملكاها بعد تلك المواجهه معه جعلا
قيادتها عشوائية ، فكادت تصطدم بسيارة أخرى . لذا ركنت سيارتها عند طرف قرية( تيرتون ) .
ريثما تهدأ أعصابها .
ترددت أقواله في ذهنها ، فزاد اضطرابها وراحت ترتجف غيظاً .
لقد استنتج أنها تفتقر إلى الخبرة ، وجل ما أغاظها أن استنتاجه صحيح .
كيف عرف ذلك؟ وهل يبدو هذا جلياً على وجهها ؟ وماكان منها إلا أن أخرجت من حقيبتها مرآة وراحت
تحدق فيها .
ما الذي كشف أمرها ؟ وهل تخلف التجارب علامات على الوجوة ؟
وفكرت في أنها لم ترتبط يوماً بعلاقة جدية . كما تمنعها قناعاتها ومبادئها من إقامة
علاقة غير شرعية ، خارج إطار الزواج ، لكنها لم تفهم كيف اكتشف ذلك . وبهذه السرعة .
تأوهت غاضبة وعضت على شفتها . كفّي عن خداع نفسك يا لويزا !
فأنت لم تقعي يوماً في شباك الحب حتى ترتبطي جدياً .
وها أنت الآن تنجذبين إلى شخص تسّرك رفقته ولكن علاقتكما تفتقر إلى العواطف المحمومه التي تجمع بين
قلبين متحابين .
لم تخالجها يوماً هذه المشاعر الجامحه . ولم تكن تعرف معناها حقاً ..
قبل أن يعانقها زاكاري ويست!
ارتجفت وأغمضت عينيها . لا زالت تلك اللحظة محفورة في ذاكرتها ،
وصعب عليها أن تصدق ما حدث . كانت تعلم أنها انجذبت جسدي .
إنما مشاعر مرهفه تملكتها . فكل حركة من حركاته أو نظرة من نظراته أو نفس من
أنفاسة أصبح ذو أهمية بالنسبة لها .
راحت تعنف نفسها على الأفكار التي راودتها ،ثم انطلقت بسيارتها من جديد . لن تخبر أباها بزيارتها لزاكاري
ويست ، فسيتملكه الذعر إن علم بالأمر . كما كانت واثقة من أن زاكاري لم يذكر الأمر لأحد .
كان لقضاء عيد الميلاد في المستشفى نكهة خاصة . فقد ساد في الأقسام جوّ رائع ، بالرغم كم أن بعض المرضى
بكى لافتاده أسرته . وكان لقسم الأطفال أثر كبير في نفوس الراشدين .
فقد أبدو تأثراً أكثر من الأطفال أنفسهم الذين حظوا بالدلال والرعاية ، وتدفقت عليهم الهدايا من أسرهم ومن موظفي
المستشفى على حد السواء .
وفي القسم حيث تعمل لويزا ، لم يشعر بعض المرضى بحلول العيد لسوء حالتهم ،
وكان احتفال قسمها بالعيد أهدأ منه في الأقسام الأخرى .
كان أبوها قد قدم لها قبيل سفره مع نويل إلى سويسرا ، عباءه زرقاء اللون .
تلاقيا ، هو ولويزا ، فشربا القهوة وتبادلا الهدايا . ولم يطل اللقاء إذ كان عليه أن يسرع
إلى البيت لحزم أمتعته . وأهدته لويزا آخر رواية لمؤلفه المفضل فضلاً عن كنزة مناسبة للتزلج .
في اليوم التالي ، تطوعت لويزا للعمل صباحاً في قسم الطوارىء .
فقد كان القسم بحاجة ملحه إلى الممرضات لكثرة الحوادث أيام العيد . فهنا رجل انغرزت
صنارة الصيد في راحته ، وهناك امرأة جرحت إصبعها جرحاً بالغاً أثناء تقطيع ديك الحبش ،
وصبي صغير وقع من على دراجته فكسر معصمه ، وأخر أصيب بكسر في ضلعه وهو يلعب ( الركبي).
وقالت لها الطبيبه الشابة ، وهما تختلسان بضع دقائق لشرب القهوة :
( شكرا على المساعده التي تقدمينها لنا ) .
فأجابت بإخلاص : ( لقد استمتعت بذلك ، فالتغيير مفيد كالعطلة ).
فقالت الطبيبة بجدية : ( لكنني أفضل العطله ).
- حسناً ، أنا أيضاً .. لكن لا تفشي هذا السر لأحد.
وضحكت لويزا فارتسمت الإبتسامة على وجه الطبيبة الهندية .
لكن عينيها أظلمتا حين أضافت لويزا : ( على أي حال ، أسرتي بعيدة ..لقد سافرت إلى سويسرا لقضاء العيد ).
فعلقت الطبيبة ( كومار) متنهدة : ( وكذلك أسرتي ، رغم أننا لا نحتفل بعيد الميلاد ).
- وهل أسرتك في سويسرا ؟
- بل في دلهي .
فأخذتا تضحكان إلى أن دفع الباب مريض جديد .
فوضعت ( أندبرا) فنجانها وقالت : ( ها قد عدنا إلى العمل ).
نهضت لويزا متباطئه وقد اضطربت وعلت الحمرة وجهها . ماذا يفعل زاكاري ويست هنا؟
ابتعدت ( أنديرا) فيما تقدمت لويزا نحوه لتعترض سبيله بعينين عدائيتين : ( ما الذي تفعله هنا؟)
قابل نظراتها بجفاء ، ثم قال ببطئ بعد أن مد يده : ( لم أكن أبحث عنك ، فلا تنزعجي ).
عندما رأت جرحاً عميقاً تحت إبهامه . ولاحظت أن النزيف قد توقف ، لكن الجرح بدا بالغاً .
- كيف حدث هذا ؟
وأمسكت بيده تتفحص الجرح بإمعان . كان الجرح نظيفاً وبدا وكأنه
قطع بسكين ، لذا لم تُدهش حين قال : ( كنت أقطع الحطب ، وجرحت يدي بالفأس ).
فردت توبخه : ( كان عليك أن تحترس أكثر).
- نعم ، يا معلمتي .
رفعت بصرها نحوه ، وقالت بجدية : ( لست بحاجة إلى مزيد من الإصابات ، إذ يمكن لهذا الجرح أن يؤدي إلى التهابات
خطيرة ، متى أخذت آخر مرة حقنة الكزاز ؟)
- منذ سنوات ، على ما أظن .
- حسناً ، من الأفضل أن تفحص الدكتور كومار الجرح . ثم أعطيك أنا حقنه كزاز وأنظفه لك قبل تقطيبه .
فرد باللهجه نفسها ، وقد بانت السخرية في عينيه : ( نعم ، يا معلمتي ).
بدا التوتر على وجهها وهي تتوجه نحو مكتب الطبيبة ، إنه مصمم على مضايقتها لكنها لن تدعه يفعل .
بل ستحافظ على هدوئها .
قرعت باب أنديرا ودخلت مع زاكاري إلى الغرفة الصغيرة .
وكما توقعت ، طلبت منها الطبيبة أن تعطية حقنة كزاز وتنظف الجرح ثم تعود بالمصاب لتقطب جرحه .
أشارت لويزا إلى زاكاري بالخروج من المكتب .
وعندما راحت تعد الحقنة ، عبس قائلا : ( لشد ما أكرة الحقن ).
فردت دون شفقه : ( الكل يكرهها ).
- لم يقاسوا منها بقدر ما قاسيت .
كان شجاعاً . هذا ما خطر في بالها ، وهي تسترق النظر إليه سراً أثناء حقنها له .
أغمض عينيه للحظة ، وقد ظهر التوتر جلياً عليه ، وسمعته يتنفس بعمق .
لكنه لم ينبس بكلمة واحده ، بل تنهد حين انتهت من عملها .
استقامت في وقفتها وهي تشعر نحوه بالعطف . وودت لو تستطيع
التخفيف عنه ، وضمه بين ذراعيها كطفل صغير ، لكنها ، لم تجرؤ على ذلك وهي تتخيل ملامحه .
وردة فعله ، وكلامه الجارح .
سألها بصوت ثابت : ( متى انتقلت إلى هذا القسم ؟)
- أنا لم أنتقل ، إنما أعمل هنا اليوم فقط ، فالعيد يقلب أنظمة الأقسام ، إن الممرضة العاملة في هذا القسم لديها أطفال ،
وهي تحتاج لقضاء العيد معهم، وبما أن عدد الممرضين غير كاف ، وكي أساعدهم ،
تطوعت للحلول اليوم مكانها .
- هل أخذت عطلة يوم العيد ؟
- هيا بنا ، علينا أن نعود إلى المكتب الدكتورة كومار لتقطيب جرحك .
فلحق بها وهو يقول : ( كنت تعملين في الأمس وتطوعت للعمل اليوم ؟
وماذا عن أسرتك ؟ ما رأيهم في الأمر ؟
- أبي وزوجته في سويسرا ، يتمتعان بعطلة على الثلج .
- وهكذا لم يكن لديك أي مكان تقصدينه يوم العيد .
شعرت به يراقبها فحاولت أن تحافظ على سكون ملامحها وهدوء صوتها : ( هذا صحيح ).
وقرعت باب أنديرا ثم أفسحت له الطريق ليمر أمامها ، وقد شعرت بالإرتياح إذ تخلصت من
أسئلته الشخصية .
أخذ يراقب تقطيب الجرح بصبر ، والطبيبة تعمل بيديها الصغيرتين الماهرتين . ثم قال : ( لا بد أنك ماهرة في التطريز ).
فرفعت عينها نحوه وابتسمت بإبتسامة عريضة : ( هذا صحيح . علمتني أمي الخياطة منذ استطعت
الإمساك بالإبرة . أرادت أن أصبح خياطة ).
- ما كان رأيها حين علمت أنك تريدين أن تكوني طبيبة ؟
- آه ، أمي رجعية ، فالفتيات برأيها لسن بحاجة إلى التعلم .
- أرادتك أن تتزوجي ؟
- من حسن الحظ أن أبي لطالما تمنى أن يكون طبيباً ، وهكذا قال لي إن علي
أن أجتهد في دروسي إن أردت أن أدرس الطب . وهكذا اجتهدت في دروسي لأصبح طبيبة .
- وهل تقبلت أمك ذلك ؟
فابتسمت أنديرا ابتسامتها المميزة وردت : ( عندما يقرر أبي أمراً ما ، تتقبله أمي دوماً ).
فقال لها باسماً ، وهي تنهي عملها : ( لا بد أنه فخور بك ، لقد قمت بعمل ممتاز هنا .
وأنا خبير في ذلك ، صدقيني . إذ خضعت لعمليات عدة على يد بعض كبار الجراحين في لندن ).
ضحكت أنديرا وهي تجيبه : ( شكراً . سأتذكر دوماً هذا الإطراء ، أبي مسرور جداً لأنني أصبحت
طبيبة ، في الواقع ، عندما بدأت عملي هنا ، راح يتردد علي ليراني ويخبر الناس أنني أبنته ).
- هذا حسن ، ويغريني بأن أتردد أنا أيضاً على هذا المكان وأخبر الناس بأنك قطبت جرح يدي ).
ضحكت أنديرا مجدداً وقد أحمر وجهها :
- يجب ألا تتقرب مني ، يا سيد ويست ، فأنا نخطوبة لرجل غيور جداً ،
يعمل في هذا المستشفى ، وقد لا يحب هذا إذا سمعه منك .
أصغت لويزا إلى هذا الحديث بدهشة وشيء من الضيق ،
فهي تعرف أنديرا منذ شهر ، لكنها لم تجعلها يوماً تتحدث إليها بهذه العفوية
عن نفسها وأسرتها وجذورها ، فكيف انسجم زاكاري ويست ، وهو العديم التهذيب معها ، مع أنديرا؟
كانت لويزا على علم بخطبةأنديرا ، فخطيبها ، ( جيريش ) يعمل في قسم ( الأنف والأذن والحنجرة ) منذ سنوات.
كان رجلاً جذاباً ، وهو محبوب جداً في المستشفى .
نض زاكاري ليخرج ، فقالت له أنديرا بحزم : ( لا تستعمل يدك كثيراً وذلك لعدة أيام ).
- سأكون حذراً ، أطمئني .
تبعته لويزا إلى الخارج : ( يجب أن أحدد لك موعداً لفك القطب ، يا سيد ويست ).
فتحت دفتر المواعيد ثم أقترحت عليه موعداً ، فأومأ موافقاً . ناولته بطاقة وضعها في جيبه .
وهو ينظر إليها بعينين ضيقتين : ( إذن ، أنت تعملين طوال أيام العيد ، ألا يزعجك هذا ؟)
- لدق أعتدت ذلك ، فالأولوية في مثل هذه المناسبات هي للمتزوجات اللواتي لديهن أولاد .
عيد الميلاد جميل جداً في المستشفى ، ويسعى الكثير من الموظفين إلى البقاء لأنهم يستمتعون كثيراً.
لا سيما أولئك الذين يعيشون وحدهم .
فقال بجفاء : ( مثلك).
لم تتكلف لويزا عناء الرد ، فأضافت : ( ومثلي).
لقت عليه نظرة سريعة ، وسألته : ( أليس لديك أسرة تقضي العيد معها ؟)
- دعتني شقيقتي ، ولكن علي أن أكون أهلاً لقضاء بضعة أيام مع طفليها .
إنما إرهابيان في البيت ، إذ يتلفان كل ما يلمسانه ، وهما بحاجة إلى التسلية
و الإهتمام طوال الوقت ، فهما لا يحبان الخروج واللعب وإن لم يجلسا أمام التلفزيون أو الفيديو .
فيلهوان بالألعاب الإلكترونية اللعينة أو يستمعان إلى موسيقى الروك .
الحياة في ذلك المنزل الكبير هي جهنم بعينها عندما يعود الولدان من المدرسة .
- أين يعيشون ؟
- في ( بروفنس).
بدت الدهشة ، فقد توقعت أن يقول لندن أو أي مكان آخر قريب .
- في فرنسا ؟
فرد ساخراً : ( هذا ما لاحظته حين نظرت إلى الخريطة آخر مرة ).
فقالت وهي شاردة ، تحلم : ( يالهم من محظوظين . مهما بلغت شقاوة أبني شقيقتك .
لسافرت من دون تردد . أتمنى لو يعرض علي أحد ما رحلة إلى ( بروفنس)؟
- لا بأس أذن . سأذهب إذا رافقتني .
حبست أنفاسها . وألقت عليه نظرة مذهولة ، غير مصدقة ، ثم قررت عدم
أخذ كلامه على محمل الجد ، فضحكت قائلة : ( هذا مضحك ).
- أنا لا أمزح .
فأشاحت بوجهها بضيق واضطراب : ( أسفة يا سيد ويست ، لا وقت لدي أضيعه على ألا عيبك ،
فالمرضى بحاجة إلي ).
وكان القسم قد أزدحم مجدداً ، بعد وصول حالات جديدة ، أهتمت موظفة الإستقبال وممرضة شابة
بالمرضى وطلبتا منهم الجلوس حتى تعاينهم الطبيبة أو الأخت جيلي .
لم يكن مستشفى وينبري واسعاً ، كما لا يزدحم فيه المرضى غالباً .
فالمدينة صغيرة جداً ، والمنطقة ريفية . ولا يمكن مقارنة قسم الطوارىء فيه
بأقسام طوارىء مستشفيات المدن الكبرى . وكانت لويزا تحمد الله على أنها
تعمل في هذه المنطقة رغم أنها أرادت ، في أحد الأيام ، أن تعمل في لندن
لسنة أو أثنتين ، لأكتساب مزيد من الخبرة.
عندما سارت نحو مكتب الاستقبال ، سمعت خطوات زاكاري ويست ، وهو يتجه نحو المخرج .
ثم سمعته يطلب من البواب إحضار سيارة أجره له .
فكرت في أنه لا يستطيع قيادة سيارته بسسب يده المصابة .
ولم يغب عن تفكيرها ، وهي تسأل عن المرضى الجدد فتناولها المرضة
رزمة صغيرة من البطاقات . تفحصت البطاقات ، مدركة أن زاكاري ينتظر قرب الباب الرئيسي .
لكنها حدثت نفسها بإستياء بضرورة تركيز تفكيرها على عملها ونسيانه .
وبالرغم من أنها لم تلتفت نحوه من جديد ، إلا أنها علمت حين جاءت سيارة الأجرة .
وحملته بعيدا ، فتملكها عند ذلك شعور غريب هو مزيج من الأرتياح والأسف.
أنهت عملها وتهيأت للخروج ، وقد أنتابها شعور أشبه بالموت .
فبادرتها أنديرا كومار ، السؤال : ( كيف كان نهارك في فسم الطوارئ؟
- إني منهكة . لقد بقيت على أهبة الأستعداد طوال اليوم تقريباً.
فردت أنديرا ضاحكة : ( يبدو أنك مرتاحة جداً في قسم الحروق ).
- يمكنني ، على أي حال ، أن أستريح أكثر من هنا .
- ليس لدينا وقت للجلوس طويلاً هنا ، فهذه هي طبيعة العمل .
ولكنك كنت ذات كفاءه عاليه ، يا لويزا ، ويمكنني العمل معك طوال
الوقت ، إذا فكرت في العودة ، فسأتلقاك بذراعين مفتوحتين .
فضحكت لويزا لكنها هزت رأسها : ( أسفة يا أنديرا ، لكنني أحب
مكان عملي ، العمل شاق ، لكنه يستحق الجهد المبذول . أشعر هناك بأنني أؤدي عملاً
ذا قيمة حقاً ).
وتنهدت أنديرا برزانة : ( نعم ، طبعاً ، أنني أتفهم هذا ، للأسف .
حسناً ، استمتعي بإجازتك ، هل سترين دايفيد أثناءها ؟)
- لا ،فقد ذهب إلى ( ويلز ) ليمضي العيد مع والديه .
- ألم يطلب منك مرافقته ؟
نظرت إليها أنديرا ثم عبست مضيفه : ( أسفه ، هل كان سؤالي متطفلاً؟ ظننت فقط ...
بما أنك تخرجين مع دايفيد منذ أشهر ، ظننت أن ذلك ..حسناً ، ظننت الأمر جاداً .
أو أنه يعتبر من الجدية بحيث يدعوك لقضاء العيد معه ).
ردت لويزا ، وقد أحمر وجهها قليلاً : ( لم نحسم أمرنها بعد ).
في الواقع ، اقترح دايفيد عليها قضاء العيد في ( ويلز) مع أسرته ،
ولكن اقتراحه جاء حين كانت تتوقع قضاء العيد مع أسرتها .
وعندما أعلمها أبوها أنه سيسافر مع زوجته إلى سويسرا لم تطلع دايفيد على الأمر لئلا يكرر دعوته .
فهي لم تشأ مرافقته والتعرف إلى أسرته ، كي لا تجُر إلى التزام أقوى .
كانت تراه غالباً ، لكن علاقتهما لم تتوطد خلال الأشهر الأخيرة .
فهما مشغولان دائماً .. كما كانت تعلم أن صبر دايفيد قد نفد ،
وأنه يريد لعلاقتهما أن تصبح وطيدة وحميمة أكثر مما هي عليه .
ذاك المساء ، وفيما كانت تعد عشاءها ، راحت تفكر في أحداث اليوم.
وتذكرت كيف خفق قلبها حين رأت زاكاري ويست .
هذا هو أول رجل تميل إليه بهذا الشكل . الآن فهمت ما يشعر به دايفيد عندما
يأخذها بين ذراعيه ، أترى العواطف المحمومة متشابهة دائماً؟
وأدركت أن دايفيد لم يسرّ إذا ما أخبرته أن زاكاري ويست يشغل في كيانها
النار بمجرد أن يرمقها بنظرة ، فيما يعجز هو عن ذلك رغم كل جهودة .
عضت على شفتها وهي تسكب طعامها الساخن في طبق .
فهي تدرك جيداً أن زاكاري ويست يلهو بها .
عليها أن تكف عن التفكير به .
في اليوم التالي ، كان الطقس جميلاً ، فشعرت لويزا بالتململ .
وخرجت تتنزة بسيارتها . أتجهت إلى خارج المدينة ، وقصدت البحر ،
بحثاً عن مكان مناسب تتناول فيه غداءها .
كانت تعرف فنادق عدة جميلة ، تقدم أطباقاً خفيفة وشهية ،
إلا أنها قصدت قرية ( تريتون) فوجدتها هادئة ساكنة وطرقاتها خالية تماماً .
وعندما لاح أمامها بيت زاكاري ويست ـ أعترفت لنفسها أنه هدفها ومبتغاها .
حتى أنها أعدت مسبقاً عذراً تقدمه له .لكن حين فتح باب الكوخ وواجهها ، نضبت الكلمات في حلقها .
رفه حاجبيه ساخراً ، وقال : ( مرحبا من جديد ، هل غيرت رأيك بالنسبة للرحلة إلى جنوب فرنسا؟).

athenadelta 09-29-2012 10:04 AM

6 - الحب كالأرجوحة

ثارت ثارة لويزا و هي تشعر بالاحمرار يعلو وجهها.لم يحمر وجهها كلما رأته؟ لا عجب في انه يسخر منها باستمرار.
- جئت لأرى إن كنت بحاجة إلى المساعدة في أعمال البيت، فلا تضطر لاستعمال يدك المصابة.
- أمعن النظر فيها بسخرية:
- -هل تعملين في مؤسسة خيرية بالإضافة إلى التمريض؟
- طبعا لا. و لكن، بما أنني كنت مارة من هنا...
و تلاشى صوتها و هي تنظر إلى داخل الكوخ حيث عمت الفوضى.فالكتب متناثرة على الأرض، و الأدراج مفتوحة و قد بعثرت محتوياتها.تمتمت بذعر:
-يا إلهي...ماذا كنت تفعل؟هت تنتقل من بيتك؟
فالبيت كان مرتبا عندما زارته قبل العيد.لكنه فنان، ولعله، لهذا السبب يحب العيش وسط الفوضى.
أجاب مكشرا:
- لا عندما عدت من المستشفى في الأمس اكتشفت أن لصوصا سطوا على منزلي.
- - سطوا على بيتك؟ آه، لا!هذا فظيع.هل سرقوا أشياء ثمينة؟
- التلفزيون و جهاز الفيديو، ومعدات الستريو، وفرن "الميكروويف".أي كل ما يمكن بيعه بسهولة.
- هل حضرت الشرطة؟
- جاء رجال الشرطة منذ صف ساعة فقط، ولم يمكثوا طولا.قالوا إن عدد لموظفين لديهم قليل بسبب إجازة العيد.و بيتي ليس الوحيد الذي تعرض للسطو أثناء الإجازة.فالاتصالات التلفونية تنهال عليهم بشكل متواصل.لم يجدوا بصمات أصابع أو أي آثار أخرى على حد علمي.كما لم يتركوا في نفسي انطباعا بأنهم سيقبضون على أحد، أو أنهم سيعيدون لي أغراضي.
- حدقت لويزا في غرفة الجلوس، وقالت:
- هل تستخدم أحدهم لتنظيف البيت و ترتيبها
- هناك امرأة تخدمني إنما أخذت إجازة لتمضي العيد في فندق في "هاروغيت". وهكذا لا يمكنها أن تأتي لتنظيف البيت.كنت على وشك المباشرة في العمل حين جئت أنت.
فاندفعت تقولك
- سأساعدك.
و إذا ما توقعت منه اعتراضا أو جدلا، فقد خاب ظنها، فقد رد بهدوء:
- رجوت أن تعرضي علي هذا نو إذا انتهينا من العمل باكرا، سأصطحبك لتناول الغذاء في"بلاك سوان"في "تيرتون"ن وهو أفضل مكان في المنطقة.ولكن عليك أن تقودي السيارة بنفسك لأنني عاجز عن ذلك كما تعلمين.
خلعت لويزا سترتها الحمراء وهي تقول:
-إذا كان لديك طعام في البيت يمكنني تحضير غذاء خفيف لنا نحن الاثنين.و الآن ، هل هذه هي الغرفة الوحيدة التي تعرضت للتخريب؟
- نعم،لقد صعدوا إلى الطابق العلوي. لكنهم وجدوا الأشياء لبتي يريدونها هنا. و ربما أرادوا الهرب قبل عودتي، لهذا لم يضيعوا الوقت في تخريب الطابق العلوي.أعمني رجال الشرطة أن الضرر الذي لحق ببيتي طفيف ، مقارنة مع ما رأوه في أماكن أخرى.
لم تكن المهمة سهلة، كما أن لويزا كانت متعبة بعض الشيء.لكنها اعتادت العمل الشاق، و هي من العناد، بحيث تحرص على إنهاء كل ما تباشره. وهكذا بقيت تعمل إلى أن عاد البيت إلى ما كان عليه.و بالرغم من تعبها، لاحظت، بعد حين، شحوب وجه زاكاري، فأمرته بالجلوس و بترك العمل لها.
اعترض قائلا:
- أنا بأحسن حال.
- لا،هذا غير صحيح،اجلس ولا تكن عنيدا.ما الفائدة التي ستجنيها إن مرضت مجددا؟
فنظر إليها لاويا فمه:
-أنا لا أحب المرأة المتسلطة!
ردت عليه بحدة:
- لم اطلب منك أن تحبني
لكنها شعرت و هي تتلفظ بهذه الكلمات، بنصل سكين حاد يغرز في أحشائها.ثم أضافت:
- كل ما أريده هو أن تحكم عقلك و تجلس، قبل أن تسقط أرضا.
- آه، حسنا.
هز كتفيه و سار نحو كرسي ببطء.تابعت عملها راضية بينما أخذ يراقبها لبعض الوقت، ثم توجه نحو المطبخ. ودهشت عندما عاد بإبريق قهوة و طبق يحتوي على شطائر.
- لقد أقفل المقهى لتوه، لهذا لن نتمكن من الخروج لتناول الغذاء.ولم أجد سوى الشطائر...فماذا تفضلين؟جبنا أم سلطة؟
فأجابت و هي مركزة على عملها:
- لا بأس بأي منهما.
- توقفي عن العمل و اغسلي يديك و تعالي لنأكل.
وضعت أصبعها على خدش عميق تركه اللصوص على سطح منضدة، وقالت آسفة:
- ما الذي يدفع الناس إلى الإقدام على مثل هذه الأفعال الشنيعة السيئة؟ فهذه المنضدة أتلفت و أصبحت تبدو قديمة.
- إنها من أواخر العهد الجيورجي.
قطب جبينه، مما جعل وجهه يبدو متوعدا، يدفع من يراه إلى الهرب مذعورا.و أضاف بشيء من خيبة الملك
- ليست ثمينة جدا لكنها ملك لأسرتنا منذ العام 1820 ن لذا لا أريد أن اخسرها.أعرف شخصا يجدد قطع الأثاث القديم و سأتصل به.
ألقت لويزا نظرة من حولها و علقت:
- أظنني أنهيت العمل كله
- نعم اذهبي و اغسلي يديك.الحمام في الطابق العلوي إلى اليسار.
ركضت إلى أعلى فوجدت الحمام على الفور.كان جميلا يطغى عليه اللون الأصفر، لمست إحدى المناشف السميكة الصفراء متسائلة عمن اختار قطع الحمام.ثم وجدت لوحا من الصابون برائحة الليمون قرب الحوض ، فتملكها الغرور. هل وضعه خصيصا لأجلها ،أم إنها مجرد صدفة؟
عندما عادت إلى غرفة الجلوس، وجدت زاكاري قد وضع كوبي القهوة و الصحون على منضدة قرب النافذة.
دخلت فراح يسكب القهوة،و فجأة أدركت لويزا مدى إحساسها بالجوع.فأخذت تشتم الرائحة الشهية و هي تبتلع ريقها.
قال لها و هو يضع في أحد الأطباق نصف شطائر الجبن، ويدفعه إليها:
- اجلسي و كلي.
نظرت إلى الخبز و هي تقول مازحة:
- هل تأكل غالبا الشطائر؟
- عندما اعمل فقط.لا يمكنني إضاعة الوقت في الطهي أو الكل في المطاعم.فأنا أقصده عندما لا لأكون مشغولا.
سألته وهي قضم الشطيرة المحشوة بالجبن و صلصة البندورة الحارة:
- هل تعمل كل يوم؟
ساد الصمت.رفعت بصرها إليه فرأت وجهه قد اصطبغ بحمرة داكنة، وتوترت ملامحه.ما الذي أزعجه؟ إنه رجل حساس للغاية بسبب الظروف السيئة التي عاشها مؤخرا.فمن الحادث، إلى آثار الحروق الجسدية و النفسية و أخيرا سرقة بيته...لذا فمن الطبيعي أن يكون سهل الانفعال.
تمتم أخيراك
- اعتدت ذلك
أحست بشيء من الكآبة المتوارية خلف كلماته ن فاعتصر قلبها ألما من اجله.
- أما زلت عاجزا عن العمل بشكل طبيعي؟
فحملق يا باستياء:
- أخبرتك عندما جئت في المرة الماضية، أنه لم يعد بإمكاني الرسم منذ الحادثة.نعم ، أنا لست معوقا جسديا...و استطيع أن ارسم إذا أردت ذلك...إنه الحافز إلى الذي مات.أنا عاجز عن اتخاذ قرار حول ما أريد أن ارسم.فأقف أمام اللوحة لساعات أحدق فيها، محاولا أن أقرر، ولكن...
سكت فجأة عابسا، فنظرت إليه بعينين متعاطفتين و قالت:
- آسفة لأجلك.لا بد أن هذا يؤلمك...
فما كان منه إلا أن زمجرن وهو يرمقها بعينين فضيتين ثائرتين:
-يا إلهي!
اضطربت و سقطت من يدها شطيرة كانت تأكلها.فيما أخذ يكرر كلماتها بلهجة مرة لاذعة:
الم يعجبك من بين الكلمات المتعاطفة اللبقة غير كلمة مؤلم؟ مؤلم ؟
و صرخ مكشرا عن أسنانه:
- إن المر يدفعني إلى الجنون، يا امرأة.فانا رسام...أنا بحاجة إلى الرسم و لا ادري لم لا أستطيع ذلك.أجرب دوما، وكلما حاولت ، كلما منيت بفشل ذريع.
بللت شفتيها الجافتين و تمتمت متسائلة:
- ربما عليك أن تكف عن المحاولة و تترك المر أسبوعا أو نحوه ؟
- أتظنين أني لم افعل؟جربت كل ما خطر في بالي و لكن من دو ن جدوى .
و نظر إليها بعينين يتطاير منهما الشرر و أكمل ك
- هيا انهي طعامك، واشربي تلك القهوة قبل أن تبرد .
أطاعته صاغرة آملة أن تهدأ أعصابه.وبعد دقائق سألها:
- هل انتهيت؟
- نعم ، شكرا فقد كانت الشطائر لذيذة
فوقف قائلا:
- تعالي معي!
- نهضت وهي تسأله حائرة:
- إلى أين؟
- إلى محترفي.
ابتعد بخطوات واسعة فتبعته و قد أثار فضولها.لم ترى محترفا من قبلن وهي تتحرق شوقا لتكتشف المجهول.
كان المحترف بناء ملحقا بالكوخ.يتميز بواجهات زجاجية تمتد من الأرض إلى السقف و تجعله مضيئا حتى في أيام الشتاء المظلمة.
توسط الغرفة ركيزة شدت عليها قماشة ،فأشار زاكاري إليها قائلا بحماسة:
- هذا كل العمل الذي قمت به في الشهر التسعة الأخيرة.
حدقت بارتباك في الخطوط التي خلفتها الفرشاة الحمراء الغاضبة ثم قالت بأدب:
- لا أعرف الكثير ن الفن الحديث
- هذا ليس فنا أيتها الحمقاء! دفعني القنوط ذلك اليوم، إلى تشطيب القماشة الدهان الحمر بعنف و غضب كي اعبر عما يتملكني.
فتمتمت لويزا بتعاسة:-فهمت...أنا آس...
- لا تقولي (آسفة) مرة أخرى و إلا ضربتك !
تراجعت خائفة نحو الواجهة الزجاجية ن و سألت:
- وماذا أقول غير هذا ؟
سطعت الشمس فجأة و لف نورها جسدها الرشيق في الثوب الأزرق الذي ترتديه . فضاقت عينا زاكاري، وقال فجأة :
- لا تتحركي.
سألته بدهشة، والحيرة في عينيها:
- لماذا؟
سارع زاكاري إلى التقاط دفتر التخطيط و القلم من على مكتبه.أخذت تراقب يده الغير مصابة و هي تخط بسرعة، فتبرز الخطوط السوداء على الورق الأبيض.
سألته مسرورة:
- هل ترسمني؟
- وماذا تضنينني أفعل؟
تجاهلت سخريته لفرط ما شعرت بالزهو.ها هو يبدأ الرسم أخيرا وهي التي ألهمته! وغمرها السرور لذلك.
رمى القلم بعد لحظات و نظر إلى التخطيط، لاويا شفتيه مستاء.
- هل يمكنني رؤيتها؟
ناولها الدفتر، من دون أن ينبس ببنت شفة.أخذت تحدق في الخطوط السريعة التي تشبهها.
- هذا رائع ! إنك موهوب جدا،يا سيد ويست.أنا أحسدك ، فأنا لا أملك أية موهبة فنية.
فقال بعفوية:
- أنت ممرضة ممتازة...وهذه نعمة لا بأي بها !
- علت الحمرة وجهها و ردت:
- شكرا، لكن الأمر ليس سيان فهناك الألوف من الممرضات الكفؤات، ولكن الفنانين الموهوبين قلائل.متى ستنقل هذه الخطوط إلى القماشة؟
نظر إليها و هو يبتسم ساخرا:
- ماذا؟! إن القدرة على التخطيط هي عملية انعكاس، إنها مجرد وضع الخطوط العريضة لما أراه أمامي. وهذا لا يتطلب سوى دقائق.أما الرسم فمختلف جدا...فهو يستغرق ساعات طويلة، و يتطلب الكثير من العمل...وقد يتطلب أسابيع، وشهورا...و هو قبل أي شيء ، بحاجة إلى الإلهام.أنا بحاجة لأن أعلم بالضبط ما أريده...وهذا ما فقدته طوال الأشهر الماضية...الحافز و الإبداع.
فعضت شفتها:
- آه..فهمت.
شعرت بالمذلة و الحماقة، لعله يعتبرها فتاة تافهة.و لا شك أنه يزدريها إذ ظنت أنها ألهمته.
ألقى بالدفتر جانبا ووقف بجانبها عند النافذة.
- ما رأيك بحديقتي؟ لقد صممتها بنفسي.ليست في أحسن حالاتها الآن، فشهر كانون الأول هو أسوأ شهور السنة بالنسبة للنباتات.لكنني زرعت فيها الكثير من الشجيرات...التي تحمي من الرياح البحرية.ويمكنك أن تري الآن براعم خضراء عليها، كما أن الزعفران و النرجس الأصفر بدأ في الظهور.
- التفتت تحدق في الخارج:
- إنك بستاني جيد
- أجد البستنة طريقة لطيفة لقضاء الوقت.أنظري إلى شجرة"الماغنوليا" هناك.إنها زهرتي المفضلة...وسرعان ما ترين زهورها تغطيها كالنجوم البيضاء.
شعرت بكتفه تلامس كتفها فأخذ قلبها يدق بعنف.نظرت إلى المكان الذي أشار إليه فرأت شجرة صغيرة دون أوراق لكنها مغطاة ببراعم بيضاء.لاحظت كل ذلك بعينين غائمتين، إذ شغلها الرجل الواقف بجانبها و منعها من التركيز على أي شيء آخر.
أخافتها مشاعرها، فابتعدت عن النافذة بسرعة في الوقت الذي تحرك هو فيه، فإذا بهما يصطدمان يبعضهما البعض.مدت يديها غريزيا، لتقي نفسها من السقوط،فعلقت أصابعها بكنزته الصوفية.قالت متلعثمة:
-آسفة.
و حولت نظرها عنه راجية ألا يرى على وجهها الاضطراب الذي تملكها حين لمسها.
كان وجهه المشوه بآثار الجروح متوترا بينما بدت السخرية في عينيه الفضيتين، وهو يقول ببطء:
-عليك أن تكوني أكثر حذرا، ثم لا ترتجفي هكذا! فقد أسيء فهم اضطرابك، و أعتبره دعوة لي.لقد أغمي عليك من قبل. و أنت لا تودين حدوث ذلك الشيء مجددا، أليس كذلك؟
تملكها الذعر حين سمعت أقواله، وطريقة كلامه.شرعت تقولك
- أنا لم أجدك...
ثم عادت فسكتت، عاجزة عن صياغة أفكارها دون أن يبدو المر كدعوة له.
تلعثمت و هي تقول:
- أعني..أن ذلك لم يكن سبب...آه، لا تظن...
و بدت التعاسة في عينيها ثم امتلأتا عطفا و هي تنظر إليه:
- يجب ألا تظن أنك لم تعد جذابا..
فرد ساخرا و هو يضحك بخشونة:
- أحقا؟في هذه الحالة...
و سكت مقطبا، وحول نظره،فيما أنهى كلامه قائلا:
- صدقيني، إن آخر ما اسع إليه هو مضايقتك و الإساءة إليك.
و سمعته يقول بصوت أجش منخفض:
- خرج المر عن سيطرتي.أنت ممرضة، ولعلك درست القليل من علم النفس مما يجعلك تفهمين ما يدور في رأسي .
و راح يحدثها عن ليلة الحادث قائلا:
كنت في مكان ما بين قرية"تيرتون" و مدينة "وينبري"، أقود سيارتي بحذر لنني كنت أخاف على لوحاتي المحملة فيها. كنت أفكر في المعرض، كما أذكر.و متحمسا للغاية...لأنه سيكون أهم معرض لي...كما كنت متوترا للغاية، كما أظن.كان الوقت غروبا، وأنوار سيارتي مضاءة بسبب الضباب.كنت في منطقة ريفية، و رأيت أمامي، إلى اليمين...كان الضوء خفيفا...رأيت بياضا يسبح فوق سياج..أو ربما دار؟ لا أذكر تماما، فاضطربت.لم أستطع أن اعرف ما هو ذلك الشيء.ضغطت على المكابح بشكل غريزي، وخففت من سرعة السيارة.
عما كان يتحدث؟ أخذت لويزا تتساءل وهي تحدق فيه بعينين حارتين.و إذا تلاقت عيناه بعينيها، فطب جبينهن وأضاف:
- أعرف أن كلامي يبدو ضربا من الجنون..لكنني ظننت...ظننت للحظة ...أنه كان شبحا
- شبحا؟
نظرت إليه غير مصدقة و علقت:
- لم أكن اعلم انك ممن يؤمنون بالأشباح
- أنا لا أومن بالأشباح،كما أن ما رأيته لم يكن شبحا طبعا.لا بد أنك تعرفين تصورات المرء،خصوصا عند الغروب، حين تصبح الأشياء رمادية فتبدو و كأنها تتلاشى في الليل.إنه وقت خداع جدا.فكانت ردة فعلي مبالغ فيها.بطبيعة الحال، سخرت من نفسي...لم أكن أعلم أني أتمتع بمثل هذه المخيلة الخصبة.فما رأيته لم يكن سوى فتاة، فتاة تسير بجانب السياج.نعم سياج تذكرته الآن. سياج تمتد خلفه حديقة كبيرة، وفي آخرها بيت كما أظن.لكنني لم أرى سواها.بدت و كأنها هناك دوما، تتحرك في شفق الغروب في تلك الحديقة.كانت ترتدي ثوبا ابيض...ثوبا فضفاضا أشبه بقميص نوم فكثوري لطراز...
- اتسعت عينا لويزا من الدهشة و سألته:
- - قميص نوم؟ هل كانت تسير في الحديقة بقميص نوم؟
فبدا و كأن صبره قد نفذ،و كأنه يعتبرها غبية:
- لم افترض انه قميص نوم...و إنما يشبهه.هذا كل ما في الأمر..كان الأم غريبا.وكأنني أحلم،أو كأن كل ذلك لم يحدث أبدا.
و نظر في عينيها ثم عبس بضيق:
- لم أكن أتخيل!
ردد ذلك بإصرار رغم أنها لم تنطق بكلمة.ولكن هذا ما خطر في بالها ،طبعا.فطريقته في وصف المر جعلتها
تشك في انه رأى الفتاة فعليا لكنها امتنعت عن طرح الأسئلة، وتركته يكمل حديثه.
- أنا واثق من أمر واحد...كانت فتية جدا.
بدت في عينيه نظرة حالمة.و تاهت نظراته و كأنه قادر على رؤية تلك الفتاة من جديد ،في السماء الغائمة،في حديقته العارية.
أخذت لويزا تنظر إليه بمرارة.لم لا يرمقها هي بهذه النظرات؟لم عليه أن يركز اهتمامه على فتاة لم يرها سوى مرة واحدة، فتاة قد تكون من نسج خياله؟
حتى انه لم يلتفت إليها.لم يكن يشعر بما تفكر فيه و تحسه،و مشاعره تلفه بهذا الشكل.
- كانت متوسطة البنية، رشيقة.وشعرها الأسود الطويل الرائع يتطاير حولها عند أقل حركة.أما وجهها فو ماثل أمامي الآن...كان كحجر كريم منقوش...حفرت عليه ملامحها بدقة متناهية.وجه بالغ الرقة، وعلى شيء من الشحوب.خففت من سرعة سيارتي إلى أن أوقفتها ثم رحت أحدق فيها . و بالرغم من أنها نظرت اتجاهي ، إلا أنني لا أظنها تنبهت لي.أحسست أنها كانت مستغرقة في أفكارها كليا.
يا لسخرية القدر!شعرت لويزا برغبة في الضحك بصوت عال.فالفتاة لم تلتفت إليه لانشغالها عنه بأفكارها.
حسنا أليس هذا مضحكا؟ فالحب كالأرجوحة، ألوانه براقة، وأضواء متألقة .أما العاشقين فيطارد أحدهما الآخر من دون توقف و من دون أن يدرك الواحد منهما محبوبه.كما أنهما يتعرضان لملاحقة شخص لم يتنبها له يوما.
قال زاكاري مقطبا:
- لسبب ما ساورني إحساس بأنها ليست سعيدة...
سكت ثم نظر على لويزا و هو يبتسم ابتسامة شاحبة:
- آسف لأني لا أنفك أتكلم.لكنني لم أستطع التحدث عنها مع أحد طوال تلك الشهور.حتى أنني لم أجد فرصة لأفتش عنها.فبعد دقائق برز أبوك من عند المنعطف ليصطدم بي مباشرة.و منذ ذلك الحين...
و تصلبت ملامحه و شحبت ندوب و جهه و بانت المرارة في عينيه.
- لا احتمل قيادة السيارة من جديد.لا بد لي أن أتغلب على ذكريات تلك المرحلة يوما ما.لكنني مضطر حاليا، إلى استدعاء سيارة أجرة لتنقلاتي، أو إلى طلب هذه الخدمة من أصدقائي.ولا يمكنني أن اطلب من احد أصدقائي أن يطوف بي الريف لأبحث عن فتاة اجهل اسمها.كما أنني لا اعرف أين رأيتها بالتحديد، كان ذلك في مكان ما بين "تيرتون" و " وينبري". لكن هذا يعني أميالا عدة، ثم حتى إن وجدتها...حسنا انظري إلي! كيف يمكنني أن أطلب منها الخروج معي؟ و لم ستخرج فتاة بمثل جمالها مع رجل مثلي؟
- أنت لا تبدو بشعا بقدر ما تتصور.
- لا تعودي إلى مثل هذا القول مجددا.لا باس أنت خبيرة في الطب...فأعطني رأيك.هل أنا مجنون؟أأعاني من تسلط الوهم علي؟أم ماذا؟
فابتسمت لويزا ابتسامة شاحبة، وردت:
-آه ، إنني واثقة من أنك رأيت فتاة تسير في الحديقة.و لا شك أنها جميلة كما رايتها...لكن ما جعل ذكراها تحفر في عقلك هو الحادث الذي حصل بعد ذلك بسرعة.كنت مريضا جدا، ولم يكن لديك ما تقوم به سوى الاستلقاء في السرير
و التفكير.ستنساها عندما تعود على حالتك الطبيعية، و إلى عملك.
نظرت إلى ساعتها متعمدة،متظاهرة بالدهشة:
- انظر إلى الوقت!علي أن اذهبن يا سيد ويست.أرجو أن تقيض الشرطة على اللصوص و أن تعيد إليك إغراضك
لحق بها إلى المدخل:
- شكرا على مساعدتي في تنظيف المنزل...لولاك لعانيت طويلا.
فقالت ببساطة:
-لا بأس! وداعا
كان لهذه الكلمة في فمها طعما مرا.قالتها بخفة و مرح،لكنها كانت تعنيها جادة، وآلمها أن تقولها.
توجهت نحو سيارتها و هي تتمتم: "وداعا ياحبي"
و صاح زكاري من خلفها :
- إلى اللقاء.
فارتجفت.ستحاول ألا تعود أبدا.

athenadelta 09-29-2012 10:13 AM

7- الشجار .. اللقاء

عاد احتفال رأس السنه وعادت معه موجة اخرى من المرضى الى المستشفى . حمدت لويزا الله على انشغالها * فلن تطيل التفكير في زاكاري فيما تتنقل مسرعه في انحاء القسم .
لكن محاولتها الجادة لنسيانه جعلتها حادة الطباع * واخذ موضفوها ينظرون اليها بحذر كلما رأوها .
لاحظت لويزا تلك النظرة الحذرة في عيني انيتا كارتر ذات مساء عندما تقدمت نحوها. فعبست :
- لقد اصبحت غولة !
فكرت في ذلك وتذكرت سنواتها الاولى في التمريض وخوفها من بعض الممرضات اللاتي يكبرنها سنا فسألتها بصوت ارق مما كانت مصممة عليه :
- هل اعطيت الحقن للمرضى . يا انيتا ؟
بدا على الممرضة الاضطراب :
- كنت على وشك القيام بذلك * يا اخت جيلبي . كنت مشغولة .. .
- حسنا * قومي بذلك الآن . واجعلي امنيتك لهذه السنة الجديدة الالتزام بجدول العمل قدر الامكان . وان طرأ عليك أي جديد * يجب ان تواجهيه ايضا .
فقالت انيتا بخنوع :
- نعم * هل تمنيت انت شيئا للسنة الجديدة * يا اخت جيلبي ؟
فابتسمت لها لويزا بجفاء :
- نعم * لكنني لا اتحدث قط عن امنياتي اذ يحتمل الا احققها * اعطي الحقن الآن . ليس لديك وقت تضيعينه في الثرثرة * اليس كذلك ؟ فأنت متاخره في عملك .
اخذت تنظر الى الفتاه التي احمر وجهها وهرولت مبتعده كالفأر الهارب من القطة . مسكينة انيتا .. فهي تعيش في قلق دائم .
ومن المؤسف ان تضطر لمضايقتها على الدوام * ولكن لا خيار امامها . فالعمل ينبغي انهاءه وعليها ان تتعلم ذلك من دون ان تضطر لحثها في كل مره .
عادت لويزا الى مكتبها لانجاز الاعمال المتراكمة وقد بدا الاسى على وجهها . لم يكن لديها سوى امنية واحده في رأس السنة الجديدة وهي ان تنسى زاكاري .
اخذت تحدق في الورقة امامها على المكتب من دون ان تراها * وهي تفكر .. دايفيد ... ماذا سأفعل بالنسبة لدايفيد؟ هذا الرجل الرقيق الذي تستمتع بصحبته . ولكنها تعرف تمام المعرفة انها لن تغرم به ابدا . لقد انتظرت الحب الحقيقي طويلا . ولن تقبل بصديق يحل في المرتبة الثانية في قلبها رغم ما تشعر به من مودة حياله .
انتظرت وانتظرت حتى اوشكت على الظن بأن لا وجود لما يسمى بالحب الحقيقي * ذاك الحب الذي يصفه الشعراء . ولطالما تساءلت عما اذا انت ستعرف هذا الحب .
الذي يدفعها الى بذل النفس من اجل من تحب . لقد اتهمها بعض الرجال بالبرودة وكادت ان تصدقهم .
لكن زاكاري بين لها انها قادره على الحب . وان هذه المشاعر العميقة والجامحه يمكن ان تجتاحها . لهذا السبب ارادت الا تخرج مع دايفيد مجددا فهي لن تعيش هذه المشاعر معه ابدا .
رن جرس التليفون فاضطربت . هل هو مريض جديد ؟ لم يعد لديهم سوى سرير واحد خال .
رفعت السماعه :
- قسم الجروح . الاخت جيلبي تتكلم .
كان ابوها . تنهدت بارتياح عندما سمعت صوته وردت :
- مرحبا يا ابي . كيف حالك ؟
اجاب باكتئاب :
- لا تسألي .
لم ينفعه قضاء العيد في سويسرا كثيرا فأعصابه اكثر توترا مما كانت عليه واضاف :
- كيف حالك انت ؟
- مشغولة جدا . كالعادة بعد العيد ورأس السنة . ليس لدينا سوى سرير واحد خال الليلة .لا يمكنني ان اطيل الكلام * يا ابي اذ لينا ان ننظم القسم للعمل الليلي.
- طبعا . سأختصر اذن ! مضى دهر لم ارك فيه . ما رأيك بتناول الغداء معا قريبا ؟ متى تحصلين على يوم عطلة ؟
- انا في عطلة ليومين بدءا من الغد .
كانت تنوي النوم طوال اليوم . لأن النوم جافاها مؤخرا .
فقال ابوها :
- ما رأيك بتناول الغداء يوم الجمعه اذن ؟ لقد قدم لي عرض اريد ان اناقشه معك.
- عرض ؟
- هناك من يريد شراء المصنع وقد يكون في هذا مخرج لي . ولكن السعر المعروض منخفض جدا . اظنهم سمعوا عن الازمة المالية التي اعانيها . وارادوا ان يسبقوا غيرهم راجين الحصول على الصفقة . اريد رؤيتك للتحدث في الموضوع .
- ابي . انا لا اعرف شيئا عن الاعمال . ماذا عن نويل ؟ ما رأيها ؟
- لم اخبرها بعد .
تفاجأت وعلقت :
- آه * فهمت .
كم من الاسرار يخفي عن نويل ؟ وما هذا الزواج الذي يخفي فيه مشاكله ؟ يجب ان تكون زوجته موضع ثقته * فتواسيه وتخفف عنه عندما يغدر به الزمن *
لا ان يخاف منها بهذا الشكل قطبت لويزا جبينها * فتعاسة ابيها انعكست عليها هي . راحت تستمع اليه وهي تعبث من دون وعي بمفكرتها اليومية الملقاة امامها على المكتب .
- اعلم ما ستقوله ... فهي لا تريديني ان ابيع . لست بحاجه الى سؤالها عن رأيها * فرأيها لن يكون محايدا . اما انت * فليس لديك أي مصلحه شخصية . انت ستصغين اليّ ثم تعطينني رأيك باخلاص وتجرد ... كما اني بحاجه الى التحدث الى شخص ما ... ومن غيرك يمكنني الوثوق فيه ؟
- لا بأس يا ابي الى اللقاء يوم الجمعه اذن ؟ اين ؟
- في المكان نفسه * في مطعم تشيريني . فمع انتهاء موسم الاعياد * يمكننا الحجز بسوله .
- نعم سأراك هناك عند الـ12*30.
ثم وضعت السماعه .
سمعت لويزا صوت دايفيد خارج المكتب فذهبت بسرعه لترى سبب وجوده هنا في مثل هذه الساعه * بينما عليه ان ينهي عملياته ويذهب الى بيته ليرتاح .
كان يتبادل الحديث مع انيتا كارتر* التي ما ان وقعت نظراتها عليها حتى ابتعدت بهدوء .
ابتسم دايفيد ابتسامه منهكة وسألها:
- هل لديك الوقت لاحتساء فنجان من الكاكاو الساخن ؟ ان نسبة السكر في دمي منخفضة . كان يوما مرهقا .
قالت له وهي تحضر فنجان الكاكاو وتقدمه له مع قطع من البسكويت :
- عليك ان تخلد الى النوم وترتاح.
- الارهاق البالغ منعني من النوم .وعلى أي حال * سأحصل على اجازة لبضعة ايام . ابتداء من يوم الجمعه . انت لا تعملين يوم الجمعه *أليس كذلك ؟ هل يمكننا تناول العشاء معا ؟ في مطعم تشيريتري؟
ترددت فرمقتها بنظرة عابسة غريبة :
- ام انك مشغولة ؟
لم تشأ الخروج معه . ولكن كيف يمكنها قطع علاقتها به هنا والآن ؟ يجب ان تراه وحده بعيدا عن المستشفى .
- لا . سأذهب الى تشيريتري لتناول الغداء ...
فسألها بحده :
- مع من ؟
- مع ابي .
ازعجتها نبرة الغيرة في صوت * اذ لم يظهر أي منهما دليلا على حدة مشاعره من قبل * وهي تفكر في انهاء علاقتهما * لم يكن الوقت مناسبا ليغير دايفيد طباعه او ليصعب الامور .
نظر اليها باتزان وهو يتكئ الى ظهر كرسية :
- خفت ان يكون لي منافس . لو ارتبطت بأحد غيري لأخبرتني * اليس كذلك ؟ اكره ان اعرف ذلك من الناس .
- ما كنت لأعاملك بهذه الطريقة . فاذا تعرفت الى شخص اخر .لأعلمتك انت اول دون غيرك.
- ولكن ليس من المستغرب ان اشك بمشاعرك . فقد رفضت الارتباط بي جديا .
احمر وجهها وقالت:
- دايفيد * الممرضة كارتر في غرفة الغسيل .. فأخفض صوتك.
فتمتم بصوت خافت :
- اللعنة على كارتر . علينا ان نتحدث بهذا الشأن يا لويزا . لم اتوقع منك ان تقعي في غرامي من الموعد الاول . لكننا كنا نعلم الى اين سيؤدي بنا هذا ... خرجنا سوية طوال العام . وكما ترين * لايمكننا متابعة الطريق بهذا الشكل . لا اريد ان اكون اخاك * بل اريد ان اكون اكثر من ذلك .
عضت على شفتها . كان يفرض عليها هذا الموقف * بالرغم من انها ودت لو يعفيها من الحديث امام الجميع .
- دايفيد ارجوك... هل يمكننا ان نتحدث في هذا الامر مساء الجمعه ؟
- انت تتجنبين هذا الموضوع دائما . اعتقد انني ضيعت وقتي معك * فنحن لن نصل الى موقف معين . لا اظنك تهتمين لأمري مثقال ذرة .!
تصلب جسمها وشحب وجهها . همست :
- آسفة يا دايفيد ... ما اردت يوما ان اسيء اليك . من الافضل ان نقطع علاقتنا.
نظر اليها بدهشة وقد توتر وجهه :
- اتريدين قطع علاقتنا ؟
عجزت عن الكلام فأومأت برأسها.
حدق فيها وقد بدأ التوتر جليا على ملامحه . ثم وقف وخرج من المكتب بخطوات واسعه وصفق باب القسم بعنف خلفه.
نامت لويزا في اليوم التالي وطال نومها . احست وكانها مخدرة رغم انها لم تتناول سوى فنجان حليب عند عودتها من المستشفى . ولفرط تعبها خلعت ثيابها ولبست قميص النوم ثم استلقت على سريرها لتنام على الفور .
رأت اغرب حلم مر بها .. كانت تسير في حديقة عند الغروب . فاذا بها ترى زاكاري يركض نحوها . خفق قلبها وغمرتها السعاده . لكن حين وصل اليها وقف جامدا * يحدق فيها . ثم عبس وقال :
- انت لست هي * انا لا اريدك!
استدار مبتعدا بغضب ومالبث ان توراى بينما وقفت مصعوقه والدموع تملأ عينيها .
استيقظت والظلام يلف المكان والذعر يغمرها . خلدت الى النوم قرابة الساعه الـ9*30 .. ولم يخيل اليها انها نامت طوال اليوم .
لكن عندما اضاءت المصباح قرب سريرها * ونظرت الى الساعه تبين لها انها تجاوزت الـ7 مساء . لقد نامت اكثر من 9 ساعات .
تركت فراشها وارتدت عباءتها . حضرت لنفسها فنجان قهوة شربته وهي تقرأ الجريده * ثم دخلت الحمام لتغتسل وترتدي ثيابها .
كان الوقت متاخر . فلن تتمكن من الخروج لتناول العشاء او مشاهدة فيلم كما تفعل احيانا في اجازتها . وهكذا راحت تطهو طعامها المفضل .
وفيما كانت تحضر الوجبة رن جرس الهاتف . اطفأت النار ثم رفعت السماعه .
سمعت صوت دايفيد يقول :
- آه * انت في البيت . هل يمكنني الحضور ؟ علينا ان نتحدث يا لويزا . لا يمكننا ان ندع الامر ينتهي بيننا بهذا الشكل .
فتملكها الاضطراب وردت :
- دايفيد ... هل يمكننا ان نتقابل غدا.... ؟
- لا * بل الآن .
ثم وضع السماعه .
سيأتي الى بيتها . عضت على شفتها وقد ازعجها الغضب في صوته . انها لا تلومه على غضبه * ولكن ماذا يمكنها ان تفعل ازاء مشاعرها ؟انها تحمل له في قلبها الموده * ولكن هذا لا يكفي
وماذا يمكن ان تقول له سوى ان لا مستقبل لهما معما ؟ فهي لم تتعهد له بشيء على الاطلاق . بدات علاقتهما بشكل عفوي وعملا على ان تتماشى وظروف حياتهما المهنية الصعبة .
ولم يعبر أي من الطرفين عن حرارة في عواطفه . لقد اراد دايفيد لعلاقتهما ان تتطور * ولكنه لم يبح لها يوما بحبه . كما لم يسألها ان كانت تحبه .
توترت اعصابها حين علمت بقدومه لا سيما ان مزاجه سيء فغضب الرجال يقلقها ويخيفها.
عادت الى المطبخ لتنهي تحضير طعامها واذابالهاتف يرن مجددا . ركضت هذه المرة لتجيب راجيه ان يكون دايفيد قد غير رأيه .
لكنه لم يكن هو بل سمعت صوتا مألوفا يقول :
- انا زاكاري ويست .
خفق قلبها وقالت بصوت خافت :
- آه *مرحبا .
- اسمعي *لم اعثر على طبيبي ...فهو خارج المستشفى لأمر طارئ ... لكنني بحاجه الى نصيحه ..تملكني صداع فظيع طوال اليوم والادويةالمعتاده لم تنفعني . انني اتساءل عمااذا كان لديك علاج اقوى* ام اكتفي بتناول قدر مضاعف من حبوبي المنومه واحاولالنوم حتى يزول الصداع ؟
- لا . لا تفعل هذا .
صداع فظيع؟ طوال اليوم؟والدواء العمتاد لم ينفع ؟ هذا امر مقلق فقالت له :
- اذا كان ثمة امرغير عادي * فيمكن ان يكون مؤشر خطورة * اظن من الافضل ان احضر واعاينك * قد لا يسفر الفحص عن شيء وقد يسفر عن شيء يجب ان يراه الطبيب . يجب التأكد من ذلك . سأكون عندك بعد نصف ساعه .
- هذا ما انتظره منك والا لما اتصلت بك.آسف لإزعاجك * وشكرا على أي حال .
- لا بأس .
ابتسمت وقدامتلأ كيانها دفئا * ثم وضعت السماعه .
كان طعامها قد حضر فأفرغته في وعاء بلاستيكي وغطته بسرعه .
ستأخذه معها ويمكنها ان تعيد تسخينه في منزل زاكاري اذا اضطرت لانتظار وصول البيت .

athenadelta 09-29-2012 10:17 AM

تزينت بسرعه وصففت شعرها كالعاده ثم ارتدت سترتها الحمراء وخرجت الى سيارتها . وعندما ابتعدت بها رأت سيارة دايفيد متجهة نحوها * فتجنبت النظر اليه آمله الا يرى سيارتها .ولكن عندما انعطفت بسيارتها رأته يلحق بها .
آه *كلا ... انه يتبعني ! اخذت تفكر في ذلك وهي تعض على شفتها . كان السير مزدحما *ولم تجد فرصة للخلاص. واندفعت مسرعه امام شاحنه لكي تبتعد قبل ان تصل سيارة دايفيد الى المنعطف .
وبعد لحظات نظرت الى الخلف فلم تر اثرا له .وهكذا استخرت ومضت تفكرفي زاكاري وقد انتابها القلق .
وما سبب هذا القل؟ لقد تعرض رأسه لأصابه اثناء الحادث * ولكنها لم تكن خطيرة بحسب ما تتذكر.وهي لم تنس من حالة زاكاري سوى القليل القليل .
قد لايكون لهذا الوجع علاقة بالحادث وقد يكون نفسيا فيبدو جليا انه متكدر لعدم تمكنه من الرسم . اترى هذه هي الطريقة التي واجه بها عقله الباطن ضغط محاولاته وفشله المتكرر ؟
استغرق الوصول الى الكوخ نصف ساعه . وكانت قد احضرت معها حقيبه الادوية الاساسية * وفيما كانت تخرج الحقيبة من السيارة * سمعت صرير عجلات فانتصبت ونظرت حولها بشيء من الحذر .
وللحظة ظنت ان دايفيد سيدهسها لكن السيارة وقفت على بعد سنتيمترات من مؤخرة سيارتها .
خرج وصفق باب سيارته * ثم تقدم نحوها وقد اظلم وجهه من شدة الغضب .
- لم خرجت فيما كنت تعلمين انني قادم لرؤيتك ؟ واي لعبة شريرة تلعبين ؟
شحب وجهها وقالت متلعثمة :
- آسفةيا دايفيد *لقد تلقيت اتصالا طارئا.
- ماذا ؟
نظر حوله الى الكوخ النائي والمناظر البعيده واضاف :
- هنا ؟ا الذي تتحدثين عنه ؟
عند ذلك فتح الباب الامامي *وتصل وجه دايفيد حين رأى زاكاري واقفا فيه .
- هذا ... انا اعرفه ... كان احد مرضاي ... الفنان... ما اسمه ؟
فردت بصوت ابح :
- زاكاري ويست .
حدق دايفيد في زاكاري المتجه نحوهما ثم استدار ببطء ينظر اليها وقال:
- ما الذي يجري هنا ؟ هل اتصل وطلب منك القدوم ؟
ارتفع صوته وقد ازداد غضبه :
- ولم يفعل ذلك ؟ولم لا يتصل بطبيبه ؟ وكيف حصل على رقم هاتفك ؟ هل كنت تقابلينه بعد ان ترك قسمك ؟
بدا الشحوب على وجهها وتلعثمت فبدت مذنبه اكثرمما هي عليه في الحقيقة .
- حسنا ... بشكل... بطريقة ما .. ولكن ....
وصل زاكاري فتلاشى صوتها ونظرت اليه راجيه :
- كنت فقط افسر له ... .
سألها زاكاري وهو يرفع حاجبيه بغطرسه :
- تفسرين ماذا ؟
فنظر اليه دافيد بنفور عميق :
- انت ... ياسيد ويست ... كانت تحاولان تفسر سبب حضورها الى هنا *ولم اتصلت بها هي وليس بطبيبك * ولم تكن مقنعه .
اخذ زاكاري يحدق فيه هو ايضا بنفورمشابه .
- لقد اتصلت بطبيبي * فأعلموني انه خرج بسبب حالة طارئة .
- لم لمْ تنتظرالى حين عودته ؟ لم اتصلت بالاخت جيلبي ؟
وراح دايفيد يتأمله ثم قال بحده :
- وما هو هذا الامر الطارئ؟انت لا تبدو لي بحاجه الى معاينه مستعجله .
فقال زاكاري بلطف:
- كنت اعاني من صداع .
فثار دايفيد وقال:
- صداع ؟ تعاني من صداع ؟.
بدا وكأنه عاجز عن الكلام بشكل مترابط * وقد احمر وجهه وارتجف جسمه غضبا .
- تعاني من صداع * لهذا اتصلت بها فاندفعت اليك ناسية أي شيء اخر ...
واستدار ببطء ونظر الى لويزا التي تملكها الذعر فلم تستطع النطق بكلمة واحده تهدئه بها او تفهمه مقدار قلقها لصداع زاكاري. شعرت ولسبب ما ان عذرها لن يبدو صحيحا اذا فحصه دايفيد بنفسه * فلم يكن يبدوعلى زاكاري انه صريع الألم .
بعد سكوت طويل قال دافيد ببروده :
- حسنا * هذا يفسر كل شيء * اليس كذلك ؟ لقد ادركت الحقيقه اخيرا . ومن المؤسف انك لم تخبريني من قبل. لقد ضيعت كثيرا من الوقت في جهل ما يجري بيننا * لابد انك كنت تسخرين مني ...
فهتفت بتعاسه :
- لا يا دايفيد * لقد فهمت الامر خطأ . صدقني !
- لا اظن ذلك .
- دايفيد * ما أردت ايلامك .
فأخذ ينظرفي عينيها الزرقاوينالداكنتين القلقتين بصمت *ورد :
- انا اصدقك *وهذا مالا يفعله معظم الرجال * فأنااعرف قلبك الرقيق *يا لويزا لكني تمنيت لوانك اخبرتني الحقيقة .
ثم استدار مبتعدا.ركب سيارته وانطلق بها وهي واقفه تنظر اليه وتلوم نفسها .
انه على صواب . كان عليها اخباره بأنهاتحب سواه . ماكان عليها ان تدع علاقتهماتستمرشهورا وهي تعلم ان لامستقبل لهما معا .
تمتم زاكاريمخترقا الصمت :
- افهم من هذا انه حبيبك .
فنظرت اليه باستياء بالغ وسألته بغضب :
- هلاّ فسرت لي كيف شفيت نفسكمن ذاك الصداع المستعصي يا سيد ويست ..
نظر اليها وابتسم ابتسامه مخادعه :
- يبدو انه زال.
فهتفت بصوت ثاقب وقد توهج وجهها :
- زال ؟
- نعم وهذا غريب اليس كذلك ؟منذ لحظة كادت شدة الالم تعميني .واذا بي اسمع صوت سيارتك ففتحت الباب ورأيتك تتشاجرين مع ذاك الرجل . لم اكن اعرف ما يجري ... ظننت في البدء انه صدمتك بسيارته ... او شيء من هذا القبيل . خرجت لأساندك فأدركت انكما تعرفان بعضكما البعض * وان الامر شخصي اكثرمما ظننت . نظر اليّ وكأنني حشرة ازعجته .كنت انت تتلعثمين في الكلام وكأنك تلميذه وتقدمين اعذارا لتبرري قدومك .
ردت عليه بغضب :
- حضوركلم يسهل الامر * اليس كذلك ؟ كان بأمكانك على الاقل ان تذكرله انك اتصلت بي لاحساسكبالمرض الشديد .
فقال محتجا :
- حاولت * لكنه اسكتني واخذ يصرخ بك . على أي حال .. .
وارتسمت على وجهه ضحكه ساخره واكمل :
- كان صداعي قد زال تقريبا * فشعرتانه لن يصدق ايكلمة سأقولها .
لم تستطع لويزاانتنكر انه محق لأن دايفيد كان سيعتبره كاذبا . اذ لم يبد عليه المرض الشديد .فوجهه متورد * وعيناه متألقتين .
فردت ببروده :
- انا نفسي ارى ذلك صعب التصديق . الشفاء بمعجزة امر لا يصدق بسهولة . يا سيد ويست .
تلاشت ابتسامته وتوترت ملامحه * ثم حدق فيها بأمعان .واصر قائلا :
- انه صحيح على أي حال . لا ادري لم زال صداعي فجأة . ولكن هذا ما حصل .ربماكان التوتر الذي تملكني عندما وجدت نفسي وسطشجار عنيف * هو الدواءلدائي .
شهقت وشعرت برغبة في ضربة :
- آه .. ما رأيك بشجار اخر اذن ؟ اشعر برغبةفي التشاجر معك .
رمقها بطرف عينه وقال لها ممازحا :
- انه امر واعد على ما يبدو .
اخذ نبضها يتسارع وعجزت عن النظر في عينيه فحولت نظراتها عنه . ثم تمتمت مخفضة اهدابها :
- لقد ضيعت وقتي فقط .
- آسف * فمنذ ايام وانااقضي وقتي في التنقل في ارجاء البيت مكتئبا * ولعل الصداع ناتج عن السأم . قبل الحادث * كنت اعمل يوميا مع الصباح وحتى المساء .. كنت اعمل طوال النهار . ومنذ ان خرجت من المستشفى اعتدت ان اطوف في انحاء البيت . وان اقوم بأعمال غريبه . لكنني لم استعمل ذهني قط . فهل هذا ما دفعه الى التمرد .
- وربما بالغت في وصفك لعوارض الصداع .
- لا * لم ابالغ . كان الصداع شديدا حتى اني فكرت مرارا في ضرب رأسي بالحائط .
صدقت كلامه لكن غضبها لم يزل :
- لم افهم بعد لماذا لم تخبر دايفيد بالحقيقه * سواء صدقك ام لم يصدقك ... بدلا من ان تتركه يغادر المكان بهذا الشكل ! الا تظن انك بالتالي اذنبت بحقي ؟
- ربما كنت فعلت لو لم يتكون لدي انطباع بأن قلبك لن يتحطم اذا قطعت علاقتك به .
- انت لا تعرف شيئا عن هذا الموضوع .
- لدي اذنان ولو كنت تريدين حقا ان تسترضيه وتعيديه اليك لفعلت .
فعضت على شفتها .. انه فطن للغاية وهذا ما اقلقها . فقد يستنتج امورا لا تريده ان يعرفها . شعرت بالخوف من ان يتكهن شعورها نحوه فالمذلة ستفوق قدرتها على الاحتمال .
- حسنا * على أي حال * ارى انك لم تعد بحاجه اليّ ولهذا سأعود الى بيتي .
واستدارت لتتوجه نحو سيارتها * لكنه امسك بذراعها قائلا :
- لا تذهبي .
رفعت عينيها اليه وقد بان الحذر فيهما . كانت ابتسامة زاكاري صبيانيه * تتراوح بين الاسف والرجاء :
- مضت ايام لم اتحدث فيها الى احد . هل اكلت ؟ ليس لدي طعام كاف في المنزل . لكن لدي بيضا ويمكنني تحضير طبق عجة . لاتتركيني وحدي يا لويزا .
كانت هذه هي المرة الاولى التي يناديها فيها بأسمها فتملكها الذهول .
- عليّ ان اعود .
كانت متلهفة الى البقاء . لكنها خافت من ان تزداد آلامها . فهو مغرم بأمرأة اخرى واهتمامه بها اخوي . انه بحاجه الى بعض الصحبة وهي افضل من لا شيء .
فقال وهو يأخذ حقيبتها من يدها:
- يمكنك طبعا * ان تبقي هنا ولو لساعه * وماذا تحملين في الحقيبة ؟ آلات التعذيب ؟
- معدات طبية . ظننت ان وضعك يتطلب بعض الفحوصات .
وحاولت ان تستعيد الحقيبة منه . لكنه ابعدها عن متناول يدها :
- حسنا . يمكنك معاينتي لتتأكدي من ان الصداع لن يعاودني . اليس كذلك ؟ ثم احضر انا شيئا للعشاء .
فردت بشيء من الحرج :
- حسنا * احضرت معي طعاما .عندما اتصلت بي كنت قد انتهيت لتوي من طهي طبق فأحضرته معي . فكرت في انني استطيع تسخينه هنا اذا ما تأخرت عندك ... لانتظار سيارة الاسعاف مثلا ... .
فنظر اليها وقد ضاقت عيناه :
- هل ظننتني مريضا الى هذا الحد ؟
- من الحكمة الاستعداد لأي طارئ. بدا من صوتك وكانك تنازع .
- هذا ماكنت اشعر به حين اتصلت .
- هل الريزوتو في الحقيبة ايضا ؟
- نعم .
تخلت لويزا عن المقاومة ارادها ان تسليه لأنه كان يحس بالضجر * فلا بأس . انما تعلم انه يفضل رفقة امراة اخرى * ويؤلمها هذا . لكنه ما زال بحاجه اليها . فلم تستطع السيطرة على تأثرها بوحدته هذه.. وتملكها ايضا شعور بالذنب * فهي تلوم نفسها على الحادث .
ولكن كل هذه الاعذار والحجج لم تكن تمت الى الحقيقه بصله * فهي تريد ان تكون معه . ان مجرد النظر اليها يسعدها * وساع صوته ينعش امالها ...
فلم لا تسمح لنفسها بفترة قصيرة من السعاده ؟ حتى وان كانت وهما .. او فردوسا خداعا ؟ فهي لن تفصح عما تشعر به ... ستتمكن حتما من اخفاء تلك المشاعر لليلة واحده .
قالت له بصوت هادئ ثابت :
- الطعام يكفي لشخصين * الا اذا كنت جاعا جدا .
فابتسم لها * مما جعل قلبها يخفق بين ضلوعها . يا لهذا التغيير الذي تحدثه ابتسامته في ملامح وجهه المشوه بالندوب ! هل يعتقد حقا انه بشع منفر للنساء ؟ لو انه يعرف ردة فعلها حين ينظر اليها بهذه الطريقه لأدرك مدى حماقه اعتقاده هذا .
اقترح وهو يدخل الكوخ * وهي في اثره :
- يمكننا تناول الفاكهة بعد العشاء . المطبخ من هذه الناحية .. لدي بعض التفاح والبرتقال والموز * يأتي لي احدهم بالطعام من القرية مرتين في الاسبوع ويحاسبني على الخدمة لكن الامر يستحق العناء . فهذه الطريقة توفر عليّ رؤية وجهي .حين قصدته لأول مرة * وقف يحدق فيّ ثم حاول الا ينظر اليّ مجددا . وهذا جل ما اكرهه ... الناس الذين يطيلون النظر اليّ ثم يتظاهرون بأنهم لم يلاحظوا أي شيء غير عادي في وجهي .
اضطربت ثم هزت رأسها :
- انك حقا * تتصور كل هذا . ثمة ندوب في وجهك لكنها ليست بالبشاعه التي تظنها .
مد يده فجأة وامسك يديها * فارتبكت وارتجفت اصابعها في قبضته . رفع يدها الى وجهه وهو ينظر اليها :
- المسيها .. هيا ... المسيها ثم قولي لي انها ليست ندوبا بارزة بشعه .
جف فمها وهي تمر بأناملها على وجنته . شعرت ببروز الندوب وبوخز شعر ذقنه وبقسوة فكه الذي اطبق بصبر فارغ .
لم تستطع النظر في عينيه كي لا يكتشف تأثير لمسها له عليها . وبدلا من ذلك اخذت تحدق في وجنته وذقنه وفمه فاستعرت نار الحب في كيانها وتسارعت خفقات قلبها .
تمتمت بصوت اجش :
- انها تجعلك تبدو كقرصان او كرجل خطير .
ضحكت ورمقته بنظرة خاطفة * لكنها تمنت لو لم تفعل .
ان ينظر اليها بحده . اتراه ادرك شعورها نحوه ؟
احمر وجهها عندما قال برقه :
- لكنني اريد ان ابدو جذابا بنظر النساء وليس قرصانا .
انه يبدو كذلك ! هذا ما خطر في بالها * فابتلعت ريقها وهي تتلهف لتمرير اصابعها على فمه . وعاد يقول ساخرا :
- ارى انك لن تقولي لي اني جذاب . فأصابعك هادة ملطفة .
ابعدت اصابعها عنه فضحك وفجأة قالت :
- اكاد اموت جوعا * ومن الافضل ان اعيد تسخين الريزوتو .
تأملت المطبخ * ثم هتفت :
- آه اشتريت فرن جديد ! ام ان الشرطه قبضت على اللصوص واعادت لك اغراضك ؟
هز رأسه لعلمه انها تعمدت تغيير الموضوع .
- انه فرن جديد . المواصفات نفسها * فقد تطلبت مني تعلم كيفية عمل الفرن الاول وقتا طويلا ولا اريد تكرار التجربة .
- حسنا * يمكنني اعادة تسخين الطعام في دقائق معدودة .
كان المطبخ عصريا * اما جدرانه فمطلية بلون اصفر فاتح مما اضفى عليه بهجة ونورا * وقد صنعت الخزان من خشب الصنوبر .
كان في المطبخ * ايضا مائدة وكراسي من خشب الصنوبر. فسألها :
- هل يمكننا تناول الطعام هنا ؟
- اولا * عليّ ان اقيس ضغطك ونبضك فاذا كنت على ما يرام سنأكل .
جلس على كرسي قرب المائدة * فأخذت تراقب نبضه الذي بدا سريعا بعض الشيء . كما كان ضغطه قليلا . اما حرارته فطبيعية تقريبا . قالت له وهي تنهض :
- ليس ثمة ما يستدعي القلق.
- آسف لأني دفعتك للمجيء بسرعه . صدقني .
عسلت يديها فوق الحوض وهي تجيبه :
لا بأس . اظنك على صواب * وصداعك سببه السأم وعدم الحركه . يجب ان تعود الى العمل بطريقة ما * يا سيد ويست .
- اسمي زاكاري. لا يمكنك ان تستمري بمناداتي بالسيد ويست * يا لويزا .
ركزت نظرها على الفرن للحظة * وسرها انها لا تواجهه . فتحت الفرن ووضعت الريوتو فيه * لكنها لم تبدأ بتسخين الطعام .
- هل لك ان تعد المائدة من فضلك ؟ فهذا لن يتطلب سوى دقائق معدودة . هل لديك خضار ؟
عملا معا بانسجام * ولم يكثرا من الكلام * وبعد دقائق جلسا لتناول الطعام .
علق زاكاري * وهو يضع صحنه في غسالة الاطباق التي يتمكن الصوص من حملها :
- لذيذ ! لم اكل ريزوتو بالخضار من قبل . هل هو من اختراعك ؟
- انني اكتفي بوضع ما اجده في الثلاجه .
- انت طاهية بارعه . اظن ان هذا متوقع منك كممرضه .
- وما علاقة التمريض بالطهي ؟ لم يعلمونا الطهي .
- عليك ان تكوني هادئة صبورة عند ممارسة التمريض . وهذا ضروري عند الطاهي .
- لا اظن ذلك . كان احد الطهاة المشهورين في لندن في قسمي يوما وكان ذا طباع حاده جدا . دخل المستشفى لأنه تشاجر في المطبخ مع طاه صيني . وانتهى بهما الامر الى التراشق بأغراض المطبخ . فتلقى مريضي ضربة بالساطور بعد ان قذف الصيني بسكين تقطيع اللحم واخطأه .
ضحك زاكاري:
- انت تمزحين .
- لا .
ونظرت اليه يقشر برتقاله بأصابعه الماهرة * فتملكتها رجفة صغيرة غريبة . فمجرد النظر اليهما يشعرها بوهن في ركبتيها .
رفع نظره اليها وسألها :
- ألن تتناولي بعض الفاكهة ؟
اسرعت تخفض بصرها وتمد يدها الى تفاحة :
- نعم طبعا .
ثم قالت تغير الموضوع :
- هل فكرت في التويم المغناطيسي ؟ قد يساعدك على حل تلك العقدة النفسية التي تمنعك من العمل .
فاستفهم مقطبا :
- اتظنين ذلك ؟ لا احب فكرة تنويمي مغناطيسيا . اخشى ان يكشف افكاري كلها شخص آخر .
- اثناء التنويم لن تخبر الطبيب الا ما تريد ان تخبره به . فهذه الطريقة ناجحه كما نجح الوخز بالابر الصينية . لي صديقة كانت تعاني من الربو . خلصها العلاج العادي من العوارض فقط * ولكنها اضطرت الى زيادة جرعات الدواء في كل مرة * ولمدة طويلة مما شكل خطرا عليها . واخيرا نصحها احد اطبائنا بان تجرب الوخز بالابر الصينية . وبعد شهرين استغنت صديقتي عن العلاج كله . صحيح انها تتعرض لبعض الانتكاسات * لا سيما حين تتوتر اعصابها * لكن العلاج بالابر الصينية ينجح دوما ولا تحدث معه اشتراكات كالعلاج التقليدي .
- لم اتوقع نتيجه كهذه من ممرضة في مستشفى !
- آه تعلمنا في هذه الايام ان بعض العلاجات البديلة قد تساعد المريض
- حسنا ٍسأفكر في ذلك جديا . اما الآن * فسأحضر القهوة . اذهبي الى غرفة الجلوس وارتاحي قرب المدفأة .
جالت في ارجاء غرفة الجلوس التي اقتصرت الاضاءة فيها على مصباح واحد بجانب الاريكة المواجهة للمدفأة .التقطت كتابا ملقى على ذراع الاريكة * وجلست تتصفحه باهتمام .
- ارجو الا تكوني قد صيعت صفحتي .
لم تسمعه يدخل وفاجأها بكماته فانتفضت مذعوره :
- لا . وصلت الى الصفحة 73.
احمر وجهها وهي تضع الكتاب من يدها مفتوحا على تلك الصفحة .
- هل تستمتع بقراءة هذا الكتاب ؟
- جدا . لابد ان رحالة العهد الفيكتوري كانوا اشداء . فترحالهم الى تلك الاماكن البعيده على ظهور الخيل او سيرا على الاقدام في غابات افريقيا مشقة صعبة . كما انهم لا يحملون غالبا سوى القليل من الادوية * فيتعرضون بالتالي للأمراض الفتاكة .
- كان عليهم ان يكونوا اشداء حتى في اوطانهم * نظرا لانتشار امراض التيفوئيد والكوليرا . فزوج الملكة نفسه مات بسبب التيفويد دون ان يستطيع الاطباء انقاذه .
فضحك معلقا :
- كان عليّ ان ادرك انك تعرفين تاريخ الطب كله ! وفي الواقع * لم تكن الرحلة الى المجهول اخطر من حياتهم العادية في الوطن .
- هل انت تبالغ مجددا .
- اتنعتيني بالكذب يا *امرأة ؟
طرح سؤاله هذا بغضب ساخر ومد يده ليناولها فنجان القهوة .
عكست النيرا ظله على السقف ... فبدا اسود ضخما هيمن على المكان ... فحبست لويزا انفاسها . لقد ملأ الغرفة بحضوره كما ملأ حيتها من قبل . ولم يعد في العالم ما يهمها سواه .


الساعة الآن 03:10 AM

Powered by vBulletin™ Version 3.8.7
Copyright © 2014 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved.
SEO by vBSEO diamond
HêĽм √ 3.2 OPS BY: ! ωαнαм ! © 2011-2012
جميع الحقوق محفوظة لصالح منتديات حكاوينا الادبية