مفهوم الرواية وعناصرها.. بقلم د. عائشة الحكمي

 

مفهوم الرواية:-
قبل أن نتحدث عن نشأة الرواية وعناصرها وأقسامها وعن تطورها نرى من الضروري أن نتحدث عن مفهومها ومدلولها اللغوي والاصطلاحي. فهي في اللغة كلمة مشتقة من كلمة الري ومدلولها الحسي كان نقل الماء من موضع إلى آخر لري الأرض أو إشباع الظمأ،ثم أصبح يدل على نقل الخبر أو الحديث من شخص إلى شخص،ولذلك ارتبط بعلم الحديث النبوي الشريف – حيث يروي راو رواية عن النبي عليه الصلاة والسلام يخبر بها الآخرين- وبالتاريخ والأدب. ثم توسع الأدباء في مدلولها فأصبحوا يطلقون الرواية مرادفة للقصة ودالة على القصة الطويلة .

أما في الاصطلاح فهي حكاية أو قصة خيالية نثرية طويلة تستمد وقائعها أو الواقع،أو الخيال والواقع معاً،ولا تكتفي بجانب من الحياة لكي تنتهي في جلسة واحدة كقصة قصيرة بل وإنها تشمل صورا للحياة بكاملها وتستغرق جلسات طوال دون أي تحديد، وتشمل فصولاَ وتحكي عن حياة أشخاص ونظرة الروائي فيها وكذلك هي حكاية عن الأحداث والأعمال وتصوير الشخصيات بأسلوب مشوق جذاب ينتهي إلى غاية مرسومة،وهي نوع من أنواع الفن القصصي،ويعتبرها بعض الأدباء النوع الأحدث بين أنواع القصة، والأكثر تطوراً وتغييراً في الشكل والمضمون بحكم حداثته، وتكون الرواية أوسع من القصة وأكثر أحداثاً و وقائع. وتتناول مشكلات الحياة ومواقف الإنسان المعاصر منها، في ظل التطور الحضاري السريع الذي شهده المجتمع.
ولها من حيث شكلها الأدبي أربع سمات أساسية: الأولى شكل أدبي سردي يحكيه راو. والثانية أطول من القصة تغطي فترة زمنية أطول. والثالثة تكتب في لغة نثرية.والرابعة عمل قوامه الخيال.

عناصر الرواية:-
لابد من أن نتعرف على العناصر المهمة التي يرتكز عليها العمل الروائي الناجح وهي:
1-الفكرة:-
يراد بها الموضوع الأساسي الذي تبتني عليه الرواية، وفيه يمكن سر عظمة تلك الرواية وبقائها،فهي بقدر اتصالها بالحقائق التي تجعل الحياة الإنسانية أكثر سعة وعمقاً ويجد القارئ فيها الوعاء الذي يلبي مطالبه العرفية والذوقية ويسد حاجاته الثقافية المتنوعة في الحياة، والراوي الماهر هو الذي يجعل من الحقائق الإنسانية الخام،ثم ينقي ثم يأتي إلى العرض الجميل المشوق، ويرسم الأنموذج الحي المتحرك وبه يصيغ المواقف والأحداث.
فهذه الفكرة التي يجردها الروائي من ظواهر الحياة بأحاسيسه وتأملاته يعود ليخلقها خلقا فنيا ، يجسدها من أشخاص يجردهم من محيط الحياة ويدخلهم إلى صلب عمله الفني، فيضعهم في علاقات متنوعة يواجهون الوجود من خلال مواقف متباينة ، فيلقي الضوء على سلوكهم،كاشفاً بذلك عن الأسباب التي أدت إلى النتائج، محركاً معه عواطف قارئه وذهنه وخياله.
2- الحادثة:-
يفترض في كل رواية أن تقع أحداثها في نظام معين، اصطلح على تسميته (الحبكة) إذ يجب أن ترتبط حوادث الرواية وشخصياتها ارتباطاً منطقياً يجعل من الموضوعات وحدة فنية ذات دلالة محددة.
والحادثة الواحدة تتكون من مجموعة من الوقائع الجزئية، مرتبطة منظمة على نحو خاص، تسرد سرداً فنياً ينقل الحادثة من صورتها الواقعية في الحياة إلى صور لغوية ذات دلالات نفسية متصورة تساعد على حيوية المواقف. و بالتدريج تتطور تلك الوقائع فيكون بعضها سبباً لوقوع بعضها الآخر. فهي تشتبك وتتأزم ثم تتدرج إلى الانفراج والحل.
والحبكة تتألف من ثلاثة أجزاء: الأول بدء(مقدمة) والثاني وسط (عقدة) والثالث نهاية (حل). ويختلف نظام العرض للأحداث والوقائع حسبما تقتضيه طبيعة الموضوع وأسلوب القاص—– فمنها طريقة الترجمة الذاتية، ومنها طريقة الرسائل والمذكرات وما إليها من الطرق.
3-الشخصية القصصية:-
الشخصية القصصية: إنسان يقدمه القاص ويرسم ملامحه الخارجية والداخلية (الجسيمة و النفسية والاجتماعية) من عناصر يستخدمها من أشخاص واقعيين، كما أن الشخصيات تعكس جانبا من قيم العصر ومعتقداته وطوره الحضاري.
لذا لابد للقاص أن يتعرف على أبعاد الشخصيات التي يريد عرضها، وتقدير المهمات التي تقوم بها في مختلف الظروف وفقاً لطبيعتها ومستوى وعيها.
والشخصيات على أنواع متعددة منها:-
أ – البسيطة: وتسمى المسطحة، وهي التي تبقى ملازمة لحالة واحدة وصفات ثابتة في الرواية مهما تغيرت الظروف، ويتعرفها القارئ بسهولة وقد لا يجد رغبة كبيرة في متابعة مواقفها.
ب – المركبة: أو ما يصطلح على تسميته النامية، وهذه الشخصيات تتفاعل في الظروف والأحداث، فتنمو وتتكامل ملامحها على امتداد الرواية، ويجد القارئ رغبة شديدة في متابعتها وتعرف مواقفها وتحري مواقفها الظاهرة والخفية، فيعجب بشخصيات ويحبها ويكره شخصيات ويزدريها بناءً على ما يوافق ميوله.

4- البيئة:-
ويراد بها الظروف المكانية والزمانية الثابتة والطارئة التي ترافق وقوع الأحداث داخل القصة، ويكون لها تأثيرها في تحديد مواقف الشخصيات وتصرفاتها ، إذ يقوم القاص بتصوير تلك البيئة من جوانبها المتعددة، مركزاً في تصويره على العناصر ذات التأثير الطبيعي والاجتماعي والنفسي وعلاقة ذلك كله بطباع شخصياته القصصية وتفسير بواعثها السلوكية والمصير الذي ستنتهي إليه.
فالبيئة الطبيعية تشتمل على المحيط الجغرافي والثقافي من مدن أو قرى ومن صحارى أو بحار أو سهول أو جبال وتأثير خصائص كل منها المناخية والثقافية في تكوين الفرد وتحديد طباعه، والبيئة الاجتماعية تتناول مستوى المعيشة والعادات والتقاليد السائدة، وصور العلاقات الإنسانية التي تربط الفرد ببقية أفراد المجتمع، أما الجانب النفسي فيتناول الحالات النفسية الخاصة التي يعانيها بعض الأفراد نتيجة لعقد نفسية ، وتأثير ذلك كله في مواقفهم وفي مسار الأحداث وتطورها.
5-الـهدف:-
ولابد لكل قصة جيدة من هدف مكنون مع المتعة والجمال تسعى إلى تحقيقه، يدير الكاتب قصته حوله، وتتحلى من خلالها وجهة نظر في الحياة وتفسيره لها ونقده كذلك، والفنان القدير يحرص كل الحرص على سلامة قصته من الناحية الفنية إلى جانب مراعاته الهدف الجيد لأنه بذلك يكون أشد تأثيراً وأقوى فناً.
6- الأسلوب:-
هو عنصر حيوي ومؤثر أشد التأثير في القصة والمراد به طريقة الكاتب في استخدام كلماته وجمله وتراكيبه حقيقة كانت أو مجازا، فما لم يكن للقصة أسلوب مميز موافق لأذواق القراء أو المتلقيين، لم تكن القصة ناجحة. وعلى ذلك فإنه يجب أن يسأل الكاتب نفسه: من سيقرأ هذه القصة وما مستواه اللغوي والأسلوبي والثقافي، وهل يستطيع أن يفهم ويستمتع بالأسلوب الذي استخدمه؟ وذلك لأن الأسلوب يلعب دورا مهما في جذب انتباه المتلقي إلى قراءة القصة وتحبيبها إلى الجماهير والمراد به عادة اللغة ويكمن استخدامها في أساليب مختلفة مع المحافظة على الفكرة.

 

بقلم \ د.عائشة الحكمي

  • شارك برأيك