جذور النوفيلا في الأدب واللغة

جذور “النوفيلا” في اللغة والأدب

 

بقلم إياد نصار

 

تعرّف دائرة المعارف البريطانية “النوفيلا” novella على أنها سرد قصير محكم البناء، واقعي أو تهكمي النبرة في الغالب، نشأت في ايطاليا في العصور الوسطى وكانت ترتكز على أحداث محلية ذات طبيعة هزلية أو سياسية أو عاطفية، كما أثّرت في تطور الرواية في أوروبا في القرن الثامن عشر، وفي القصة القصيرة في القرن التاسع عشر وما تلاهما.

ويعرف قاموس ديكشنري دوت كوم المشهور النوفيلا على أنها حكاية أو قصة قصيرة من النوع الذي جاء في كتاب ديكاميرون للايطالي جيوفاني بوكاتشيو في القرن الرابع عشر. كما يقدم تعريفاً آخر، وهو سرد نثري خيالي أطول من القصة القصيرة وأكثر تعقيداً. يبدو في هذين التعريفين أربع حقائق: الاولى نسبتها الى أصلها الايطالي، والثانية درجة الطول والقصر، والثالثة التعقيد في العمل الذي لا يعني نقيض البساطة والسهولة وحسب، بل اشتمالها على درجة من جودة البناء الفني وترابط العناصر، والرابعة هو في كونها عملاً سردياً خيالياً.

أما قاموس التراث الامريكي للغة الانجليزية، فقد عرفها على أنها حكاية نثرية قصيرة تتسم في الغالب بالدرس الاخلاقي أو بالتهكم، وفي تعريف آخر وصفها بأنها رواية قصيرة.

وعرّفتها موسوعة ويكيبيديا، بأنها سرد خيالي نثري أطول من النوفيليت novelette ، وهي الكلمة الايطالية التي تشير الى القصة القصيرة ولكن أقصر من الرواية. وفي حين أنه ليس هناك إتفاق حول الطول الذي يمكن أن يعد مقياساً يحدد النوفيلا ، إلا أن جوائز نبولا Nebula لكتاب أمريكا للخيال العلمي والفنتازيا تعرّف النوفيلا على أنها تحتوي على كلمات يصل عددها بين سبع عشرة الف وخمسمائة كلمة وأربعين ألف كلمة.

وترى الموسوعة أن النوفيلا نوع أدبي أكثر شيوعاً في اللغات الاوروبية منها في اللغة الانجليزية. وقد ازدهرت في ألمانيا في القرن الثامن عشر وما بعده، خصوصاً على أيدي كتّاب أمثال: هنريخ فون كليست، وجيرهارت هوبتمان، وجوته، وتوماس مان، وفرانز كافكا. وكما في حكايات بوكاتشيو، فان تلك النوفيلات الالمانية ترتكز على حدث مأساوي مثل طاعون أو حرب أو طوفان سواء في الواقع أو في الخيال. ويروي الحكايات عدة رواة لاشغال المستمعين عن التفكير بالبلاء الذي حل بهم.

ومن الامثلة المشهورة التي يمكن ايرادها تحت باب النوفيلا في الادب المكتوب بالانجليزية: “عن الرجال والفئران” لجون شتاينبيك، و”التحولات” لفرانز كافكا، و”مزرعة الحيوان” لجورج أرويل، و”الرجل العجوز والبحر” لايرنست هيمنجواي، و”دكتور جيكل ومستر هايد” لروبرت ستيفينسون، و”الموت في البندقية” لتوماس مان، و”وداعاً كولومبس” لفيليب روث، و”قلب الظلام” لجوزيف كونراد، و”أوراق أسبيرن” لهنري جيمس.

وكلمة نوفيلا بالايطالية تعني حكاية أو إخبارية، ويدل أصل الكلمة على أنها كانت تعني أخبار البلدة والحياة في الريف التي كانت جديرة بالاعادة لغرض التسلية والتثقيف. وكان يتم جمع تلك الحكايات في مجموعات مع الاساطير والحكايات الغرامية، ولكن مع مجيء بوكاتشيو وفرانكو ساشيتي وماتيو بانديلو، فقد طوروا النوفيلا الى حكاية قصيرة أكثر رقة من ناحية نفسية وأكثر اتقانا من حيث التركيب، وكانوا في الغالب يستخدمون قصة كاطار يجمعون حولها حكايات ذات مغزى معين.

وفي هذا الاطار فإن كتاب ديكاميرون لبوكاتشيو الذي انتهى من تأليفه في العام 1353 يشتمل على نحو مئة نوفيلا ترويها سبع نساء وثلاثة رجال تركوا مدينة فلورنسا هرباً من الطاعون الذي ضرب المدينة، والتجأو الى بيت في الريف خارج المدينة وراحوا يسردون الحكايات لتسلّيهم وتلهيهم عن التفكير بالموت الاسود الذي ضرب وسط أوروبا وجنوبها بين العامين 1348 و1350 وخلف وراءه نحو مئة مليون ضحية، وتسبب في خفض عدد سكان أوروبا في تلك الفترة بحدود 45 بالمئة. ويروي كل شخص منهم حكاية للاخرين على مدى الليالي العشر التي قضوها في ذلك المعتزل.

ويؤكد الدكتور محمد عبيدالله أن مجامع اللغة العربية لم تتطرق الى ترجمة هذه الكلمة، مما يعكس اتجاها عاماً بأن النوفيلا في الادب العربي لم تترسخ بعد كنوع أدبي مستقل ضمن جنس السرد. بل إن اصحاب النوفيلات التسع الذين اختارهم في كتابه الرواية القصيرة في الاردن وفلسطين: بنية الرواية القصيرة” (دار أزمنة،2007) لم يصنّفوا هم أنفسهم ما كتبوه ضمن هذا النوع.

ويورد في هذا المجال ما قام به الناقد نزيه أبو نضال من تتبع التصنيفات التي استُخدمت في وصف بعض النوفيلات سواء تلك التي قام بها أصحابها أو الناشرون عند إشارتهم لها. فابراهيم نصر الله أشار الى أن “الامواج البرية” رواية في معرض حديثه عن أعماله، وهاشم غرايبة يصف كتابه “رؤيا” نصاً قصصياً، أما رفقة دودين فكتبت على غلاف “مجدور العربان” بأنها نص قصصي شبه روائي، وأحمد الزعبي يصف “اختفاء شاعر” و”صم بكم عمي” بنصين روائيين، وسحر ملص تشير الى نوفيلا “اكليل الجبل” بكلمة: قصة.

وتكاد تتفق اللغات الاوربية على استخدام التعبير نفسه، لكن بالصيغة التي تحتكم اليها كل لغة أوروبية. ففي الالمانية والهولندية والدانماركية والنرويجية تدعى novelle أما في البرتغالية فتُستخدم الكلمة novela وفي الفرنسية تُدعى nouvelle.

وهناك اختلاف آخر عن الرواية يتمثل في عدم استخدام فصول في داخل النوفيلا، لأن الاصل أن تقرأ في جلسة واحدة، ولكن يمكن استخدام الفراغ أو الورق الابيض. وهي في الاساس يجب أن تخلق لدى القاريء انطباعا واحدا مثل القصة القصيرة، ولكن بعمق فيما يخص تطور الشخصيات فيها.

يقدم د. عبيد الله في دراسته المشار اليها، عملاً بحثيا ونقدياً ينطوي على نظرة مهمة للغاية في دراسة تطور هذا النوع الادبي، وربما تكون من الاعمال التي لم يسبقه اليها أحد في دراسة بنية الرواية القصيرة في الاردن وفلسطين منذ البدايات ولغاية الان. وقد أشار في مقدمته الى أنه يقصد تمييز وتفريد الرواية القصيرة نظريا وتطبيقيا لعلها تكون منطلقاً لدراسات أخرى متممة.

ولم يكتف بتقديم دراسة نظرية تبين مفهوم هذا النوع وخصائصه وحدوده، بل تعدى ذلك الى تقديم دراسة تطبيقية على عينة تتكون من تسع نوفيلات لكتّاب من الاردن وفلسطين بالتحليل والشرح، منهم غالب هلسا، وغسان كنفاني، وجمال ابو حمدان، ومؤنس الرزاز، وإلياس فركوح، ويوسف ضمرة.

قسم د.عبيدالله كتابه الى ثلاثة فصول رئيسية. قدّم في أولها نظرية الرواية القصيرة، وفي الثاني الدراسات التطبيقية، وفي الثالث أورد نصوص النوفيلات التي تحدث عنها في الكتاب. يكتسب الفصل النظري أهمية كبيرة لتطرقه الى اشكالية البحث عن اسم لفن يقع بين القصة والرواية، فتارة ينسب للرواية بصيغة أو بأخرى، وتارة ينسب الى القصة.

ويبدو أن مصير النوفيلا سيبقى معلقاً مفتوحاً في غياب الاسم الشائع المحدد في الادب العربي وفي غياب معايير واضحة لتسمية هذا النوع سوى تقدير الكاتب أو الناشر فيما يستخدمانه لتوصيف الرواية القصيرة.

وتتبّع د. عبيدالله بشكل ممتع ودقيق معاني الكلمة ومدلولاتها في اللغات الاوروبية ومقارنتها بعضها ببعض وبأصلها الايطالي، كما تطرق الى إشكالية التعريف عند دراسة هذا النوع الادبي من حيث لا بد من وجود معايير أخرى للحكم غير الحجم وعدد الصفحات. كما أورد نماذج قديمة من الاداب الايطالية والفرنسية والالمانية، ساهمت في نشوء النوفيلا. وقد حاول تقديم دراسة تاريخية لغوية عبر تتبع المصطلح في مصادره الاوروبية المختلفة، وأفرد قسماً للحديث عن تجارب النوفيلا في مصر.

ومما ذكره في كتابه نقلا عن الناقد خيري دومة الذي أفرد فصلا قصيراً في كتابه الذي حمل عنوان “تداخل الانواع في القصة المصرية القصيرة 1960- 1990” أن الاسم العربي يثير اشكالية في نسبة النوفيلا مرة الى القصة ومرة الى الرواية، لأن لكل منهما مناخاً دلالياً مختلفاً، ولهذا فقد فضّل استخدام الاسم الايطالي.

والمفارقة أن دومة تحدث عن النوفيلا في معرض حديثه عن أنواع القصة القصيرة، مما يوحي بأنه عدّها ضمنياً أقرب الى القصة من الرواية، ولكن عندما تطرق الى معيار الشكل فقد عدّها قريبة للرواية. ثم عاد مرة أخرى ونقض ما قاله سابقاً حين قال: “ويبدو أن اتساع المادة فرض على هذا الشكل من أشكال القصة القصيرة (النوفيلا) أن يختار ثيمات معينة، وأن يرتكز على العناصر التقليدية“.

 

  • شارك برأيك